Times of Egypt

التنازع على الأقاليم والنفوذ في العالم

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

تحت عنوان «أقاليم ومجالات متنازع عليها Contesting Regions, Contesting Domains»؛ أصدر مركز الدراسات الأمنية – التابع للمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا – تقريره السنوي.. المعروف باسم: اتجاهات استراتيجية Strategic Trends؛ وهو التقرير الذي تعتبره الدوائر الأكاديمية والسياسية والأمنية الأوروبية والعالمية.. من أهم التقارير الاستراتيجية التي تصدر سنوياً، منذ ما يقارب من عقدين.

يتميز تقرير «اتجاهات استراتيجية» – عن غيره من التقارير الدولية – بأنه يُعنى برصد وتحليل: 

أولاً: التحولات البنيوية العميقة الجيوسياسية في العالم. 

ثانياً: ديناميات القوة القطبية العالمية المتنافسة في شتى الأقاليم والمناطق. 

ثالثاً: تطورات الاقتصاد السياسي العالمي. 

رابعاً: المتابعة الدقيقة للمستجدات «الطفرية» (من طفرة) في مجالي التكنولوجية و«الذكائية الاصطناعية» (مصطلح نتبناه يتناسب مع تجاوز الذكاء الاصطناعي كونه تقنية صماء). 

خامساً: وضعية الطاقة والثروات والموارد. لا يكتفي التقرير بالرصد والتحليل، بل يقدم رؤية استشرافية لمستقبل العالم.

ينطلق تقرير «اتجاهات استراتيجية».. من مقاربة مركبة متعددة المستويات، تتجاوز المقاربات «الوصفية» و«السردية» و«التخصصية المتعسفة».. التي تأخذ بها كثير من التقارير الأخرى المعروفة في هذا المجال. ومن ثم لا يتوقف التقرير عند سؤال: ماذا حدث/يحدث، بل يحرص على طرح أسئلة تتعلق بالمستقبل؛ من عينة: ما الذي سيترتب على ما حدث، وما زال قيد الحدوث؟ ما صور المستقبل المحتملة للنظام العالمي، والمنظومة الاقتصادية؟ وما مستقبل الطاقة والثروات وسلاسل الإمداد، والحرب السيبرانية والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي؟ وما التغييرات التي ستلحق بموازين القوة العالمية؟…

في هذا الإطار، يقدم تقرير «اتجاهات استراتيجية ــ 2026».. قراءة عميقة للتحولات البنيوية الراهنة، فيما يتعلق بالنزاعات القطبية/الإقليمية.. التي يشهدها العالم ـ بدرجات متفاوتة ـ من أجل إحكام الهيمنة وتعظيم النفوذ على الأقاليم الحيوية في العالم. وهي مهمة تعكس بجلاء طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها عالم اليوم. لم يعد التنافس الدولي التقليدي (الذي كان يتيح قدراً من التقاسم بين القوى المتنافسة) قائماً، وإنما تحول التنافس إلى تنازع صلب. ويفصل التقرير أطروحته «التنازعية» (100 صفحة) – التي يشهدها العالم؛ من خلال مقدمة وأربعة فصول؛ حملت العناوين التالية.. 

مقدمة عنوانها: الأقاليم والمجالات المتنازع عليها. 

الفصل الأول: حين تتقاطع مناطق النفوذ مع الأقاليم؛ صراع التأثير في عصر المراجعة والتصحيحية التاريخية للقوى القطبية القديمة والصاعدة. 

الفصل الثاني: العلاقات الأوروبية-الصينية على مفترق الطرق؛ التدهور والتقلبات. 

الفصل الثالث: التكنولوجيات المستجدة وعناصر الحروب المستدامة. 

الفصل الرابع: الفضاء الخارجي كمجال صراعي استراتيجي وما سينتج عنه.

يطرح التقرير فكرة محورية، مفادها أن العالم المعاصر يتسم «بالتشظي Fragmentation»؛ ويقصد بذلك تآكل القدرة على إنتاج نظام عالمي موحد.. تحكمه قواعد متفق عليها؛ فالحرب في أوكرانيا، والتوتر الأمريكي-الصيني، وصعود النزعات القومية، والأزمات الاقتصادية، والتنافس التكنولوجي.. كلها – في تقديري – مؤشرات على تراجع فكرة.. ما يمكن أن نطلق عليه «العولمة المستقرة Stable Globalization».. التي سادت منذ منتصف التسعينيات. 

وبالرغم من هذا التشظي، وتداعياته الكارثية، إلا أن التقرير ينبهنا إلى عدم الاكتفاء بالتفسير الظاهري – على صحته ـ بل بالتعمق فيما يدفع إليه من ترتيبات مرنة ومؤقتة، وتحالفات متغيرة.. بحسب المصالح والملفات محل التنازع، والتطورات التي تطرأ على موازين القوة. ومن هنا يطرح التقرير مفهوماً مركزياً ـ بالغ الأهمية ـ واصفاً به اللحظة التاريخية الراهنة.. هو «النظام الفسيفسائي أو Mosaic Order»؛ أي عالم مكون من شبكات وتحالفات متداخلة يحل محل النظام الدولي المركزي الكلاسيكي الذي تأسس تاريخياً عام 1648 من خلال وثيقة وستفاليا، التي أقرت بمبدأ سيادة الدول القومية.. بالأساس.

ولعل من أهم ما أشار له التقرير، فكرة قيِّمة.. حول عملية «إعادة ترتيب Reordering» العالم.. الجارية الآن. يرى التقرير أن تلك العملية.. تتسم بديناميتين حيويتين غاية في التعقيد والتشابك؛ الدينامية الأولى: تقوم على محاولة كل طرف من أطراف النزاع.. تشكيل منظومات قوة جيوسياسية وجيو اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية.. يصعب تفكيكها لاحقاً.. لتعزيز الهيمنة والنفوذ. ولا مانع من أن تتراكب المنظومات – قيد التشكيل – مع منظومات قديمة؛ إذا ما عزز ذلك انتصارها في التنازع. بمعنى آخر، لا غضاضة من استمرارية الأخذ ببعض المنظومات، إذا ما كان التخلي عنها ستكون تكلفته عالية. وقد أطلق التقرير على هذه الدينامية: «قوة الاعتمادية على المسار the Power of path dependence».

أما الدينامية الثانية: فهي «التنازع متعدد الطبقات Layered Contestation»؛ ويُقصد بها أن إعادة ترتيب العالم. وسوف نقتطف من النص – بقدر من التصرف غير المُخل ـ «ليست نتاج استراتيجية واحدة متماسكة.. تُفرض من أعلى، بل هي حصيلة صراعات متداخلة.. على مستويات سياسية وأمنية واقتصادية وتكنولوجية متعددة؛ فالقوى الكبرى – والقوى المتوسطة والصغرى – إضافة إلى عدد هائل من الفاعلين غير الحكوميين ـ خاصة الشركات الكبرى ـ جميعها.. تتنافس على القواعد والمعايير والأسواق، ونقاط النفاذ إلى قلب الأقاليم، والمناطق الحيوية، والمجالات النوعية المختلفة. وينتج عن ذلك أوضاع غير مكتملة، وغير مستقرة في بعض المجالات، وأكثر رسوخاً في مجالات أخرى. ولهذا السبب سوف يجمع المستقبل – في إدارة بعض المجالات – بين متناقضين؛ أولهما: التعددية القطبية، وثانيهما: التنافسية الفوضوية.. التي لا تلتزم بأي قواعد.

يخلص التقرير إلى أن هناك ثلاثة دروس، مفادها.. 

أولاً: أن التشظي العالمي غير متكافئ وانتقائي، ومن ثم سنكون بصدد أن تتشكل في العالم الجديد ثلاثة أنواع من التكتلات الإقليمية؛ مقاومة، وأداتية/موظفة/مستغلة، وسائلة/مرنة،

ثانياً: أن وتيرة التغيير، وعدم القدرة على التوقع به.. سوف يلقيان مسؤولية كبرى في العمل على الاستجابة الاستباقية، وبناء بنيات مرنة.. للتعامل مع المتغيرات المتلاحقة. 

ثالثاً: أن القدرة على التأثير.. يمكن أن تكون متاحة أمام القوى الصغيرة والمتوسطة، ولا تكون سلبية حيال التغييرات البنيوية. وعليه، فإن المستقبل لن يكون نظاماً مستقراً بالتمام، ولا فوضى مطلقة، بل عالماً متنازعاً عليه، ومتكيفاً نسبياً، ومتبايناً…

وبعد، يطرح التقرير رؤية.. تنطلق من حقيقة تراجُع كثير من الفاعلين عن النظام العالمي التاريخي، لصالح ترتيبات آنية مرنة ومتغيرة ..وفق مسار التنازعات، التي لن تكون بين دول فقط، بل بين أنظمة تكنولوجية، وشبكات اقتصادية احتكارية/أوليجاركية، ومجالات استراتيجية جديدة؛ مثل الفضاء، والذكاء الاصطناعي. 

… نحن إذن، أمام مرحلة.. الأولوية فيها لإدارة التشظي، أكثر من استعادة النظام العالمي.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة