Times of Egypt

المعارضة ضرورة.. وماكينات بنوك خاوية

M.Adam
عمار علي حسن

عمار علي حسن

(1)

المعارضة السياسية المدنية السلمية العلنية.. حق للمعارضين، وضرورة لأي نظام سياسي حقيقي، وهي ليست شراً ولا رجساً ولا خيانة، فالمعارضة جزء من النظام السياسي، ولا يضيق بها إلا من يريد للدولة أن تكون بلا سياسة، أو يموت فيها المجال العام، وتلك نزعة تنتمي إلى زمن مضى، وعهود بائسة في القرون الغابرة، دفعت البشريةُ الكثيرَ من التضحيات.. في سبيل أن تفارقها، وليس بوسع أي حر رشيد.. أن يعود إلى ذلك الزمن البعيد، الذي كان فيه الحاكم يأمر فيطاع، ولا يجد من يقول له إن أساء: «عليك أن تراجع نفسك».

لهذا، نحن بحاجة ماسة إلى أحزاب مدنية قوية؛ تعارض ما لا يروق لها من سياسات، وتبني نفسها في صبر وأناة. وعلى من يعيِّرون هذه الأحزاب.. بأنها ورقية أو هشة، أن يتذكروا أن أقل مرشحي حزب الوفد شأناً، كان قادراً على هزيمة مؤسس جماعة الإخوان نفسه.. في الانتخابات البرلمانية. وكان الناس يقولون: « لو رشح الوفد حجراً.. لانتخبناه»، لكن منذ يوليو 1952، والأحزاب المدنية تتلقى ضربات موجعة.. متوالية، بينما راحت السلطات المتعاقبة تبرم الصفقات مع التيار الذي يوظف الدين الإسلامي.. في تحصيل السلطة، وحيازة الثروة. ومع هذا، يخرج أتباع السلطة ليعيِّروا المدنيين.. قائلين لهم: أين أنتم من الشارع؟

(2)

الذين يتجاهلون قروناً طويلة من كفاح المصريين، يعمدون إلى إفقاد الشعب ثقته في نفسه، وفي قدرته على تغيير أحواله إلى الأفضل.. في كل مجال؛ حيث يوهمونه.. أن ما هو فيه، ليس سوى وصل ما انقطع.. من تاريخه المفعم بالذل والخضوع، وعليه أن يؤمن بأن هذا قدره المحتوم، الذي لا فكاك منه، وهذا محض كذب وافتراء. إذا راجعنا – في تمهل وإنصاف – كل ما فعله فريق يتجدَّد من الناس.. على مدار قرون.. في سبيل الحرية والكرامة والعدالة والكفاية.

(3)

تعجبت من قول السيد وزير النقل – في معرض رده على منتقدي هدم مبنى قديم للسكة الحديد – «الحي أبقى من الميت»؛ فهذا مثل شعبي – أو حكمة متداولة – لا تنطبق بأي حال من الأحوال.. على التراث المادي للأمم، وترفضه حتى نظريات التحديث.. في تناولها للتراث غير المادي؛ حيث تقر مبدأ عاماً يقول: «القديم لا يموت كله، وليس كل القديم سيئاً أو ضاراً»، أو كما قال طه حسين: «القديم جديد، ما دام نافعاً».

ما قاله معالي الوزير.. ينصرف تماماً – في حياة الناس – إلى غير ما قصده، ولو طبقناه على كل أثر.. لصارت كارثة قومية بكل المقاييس. وللأسف نجد بعض مظاهرها في حياتنا المعاصرة.

إن ما يميز القاهرة – مثلاً – عن سائر مدن العالم، أنها المكان الوحيد.. الذي تتجاور فيه آثار مادية أو معمارية وعمرانية.. تمتد إلى آلاف السنين. وهناك أشياء يتعامل معها العارفون.. في مشارق الأرض ومغاربها، على أنها لا تُقدَّر بمال، ولا يمكن النظر إليها بعيون مقاولي الهدم والتشييد، وإلا ما كانت هناك مساقات للترميم والتجديد.. يدرسها الأثريون، ويقدِّرون قيمتها. ولا مساقات للتنسيق الحضاري.. يحرص علماء العمران على تدريسها، ويعلون من شأنها.

(4)

كيف يجتمع هؤلاء على مصر في وقت واحد؟!

مسؤولون.. لا يتصرفون كسياسيين، وإعلاميون.. يتصدَّرون المشهد؛ بينهم وبين السياسة.. ما بين المشرق والمغرب. ويتدرَّج الأمر.. حتى يصل إلى من يديرون الشأن الرياضي.

يا لها من مأساة. رياح سموم هبَّت على مصر، ويصر هؤلاء المغتربون حضاريا.. على أنها النسيم العليل، مع استبعاد ما ينهض به المخلصون بزعم أنه.. «لمنافعهم فقط».

(5)

ما جرى أمام ماكينات صرف النقود قبيل عيد الأضحى.. هو استهانة صارخة بالناس، واستعلاء عليهم، فضلاً عن كونه فشلاً إدارياً واضحاً، ولا يجب أن يمر دون مساءلة وحساب، لا سيما أنه وضع متكرر في الأعياد، وأحياناً يكون وقت صرف المرتبات والمعاشات الشهرية، وهي حقوق غير قابلة للتأجيل أو التسويف.

لقد سمعت أحد الإعلاميين يتحدث.. مبرراً إن الناس لديها محافظ نقدية للتحويل، أو يمكنهم الدفع باستخدام البطاقات المعتمدة بنكياً (كريدت كارد). وهذا والله.. هو قمة الاغتراب عن الواقع؛ فكثير من الناس ينتظرون المرتب أو المعاش بجيوب خاوية، وكثير منهم بسطاء.. يرتادون بقالات صغيرة في الشوارع الخلفية المنسية.. تتعامل بالدفع نقداً.

حكومة تتكرر أمامها الأزمات دون حل، وإن جاءتها أزمة صغيرة.. لا تقدر على حلها، فكيف نثق في قدرتها على مواجهة المُلمات الكبرى، وقد داهمتنا بالفعل مرات، لكنها تتهرب منها، في إنكار يدعو إلى العجب؟!

( 6)

حين يطلب ترامب من دول عربية وإسلامية.. التطبيع مع إسرائيل.. مقابل وقف الحرب، فهو لا يبحث فقط عن «ورقة توت».. يداري بها خيبته، أو أي ثمن لمقامرته الخاسرة.. يشفع له أمام الأمريكيين، إنما أيضاً يدق مسماراً في نعش مشروع نتنياهو؛ الذي قام على فرض السلام بالقوة، كما حواه كتابه «مكان تحت الشمس».

فها هو ترامب، وخلفه نتنياهو.. يقولان – فيما يشبه الاستجداء أو التملق.. حتى لو كان ظاهرياً – بصوت خشن، (وكأنه أمر): أعطونا أي شيء يحفظ لنا ماء وجهينا، بل ينقذنا من مصير غاية في السوء، سواء الآن، أو على ما سيسجله التاريخ فيما بعد.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة