د. نيفين مسعد
تطرَّق مقال الأسبوع الماضي.. لبعض الأبعاد الجديدة، التي تتخذها ظاهرة العنف الاجتماعي في مصر، وخلص إلى أن المدخل القانوني – وإن كان لا يمكن الاستغناء عنه – إلا أنه لا يكفي للتصدِّي لهذه الظاهرة الآخذة في التفاقم والانتشار؛ الأمر الذي يؤكد أهمية الوقاية والتحصين من العنف.. قبل الذهاب إلى التجريم وتغليظ العقوبة.
ومن هنا تبرز أهمية خاصة.. للمدخل الثقافي للتنشئة على القيم الإنسانية المضادة للعنف، وتكوين الشخصية السوية المتوازنة فكرياً وسلوكياً. ولا يمكن لأحد.. أن يدَّعي أنه بمطالبته بتفعيل الاهتمام بالمدخل الثقافي، إنما يخترع العجلة، أو يأتي بما لم يأتِ به الأوائل، فلقد انتبه علماؤنا – بالذات في تخصُّص علم الاجتماع – لأهمية هذا المدخل من عدة عقود ، وللأستاذ السيد يس إسهاماته النظرية الوفيرة.. حول التغيُّر في منظومة القيم العالمية، وأثر العولمة في انتشارها. كما كتب الدكتور سمير نعيم.. عن خطورة انتشار ثقافة العنف، والتطبيع مع صور الدماء والدمار.. في البلدان المحيطة بنا، ودعا إلى منظومة ثقافية داعمة للقيم الإيجابية، وغير ذلك كثير.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا نعود لتكرار نفس الدعوة.. للاهتمام بالثقافة لمحاربة العنف؟
والسؤال الآخر هو: هل يمكن أن يكون للثقافة – بالفعل – لها تأثير ملموس في مواجهة العنف؟
تظهر الثقافة كأحد محاور استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030 ، ومع أنها أُطلقت في عام 2016، إلا أنها تعرَّضت للتحديث والتطوير.. بما يتواكب مع المستجدات. وعندما نتمعَّن في أهداف هذه الاستراتيجية، نجد أنها تشتغل على مواجهة العنف؛ سواء بشكل مباشر من خلال نشر قيم الانفتاح والتعدد، ورفض التطرف الفكري ونبذ خطاب الكراهية. أو بشكل غير مباشر؛ من خلال تعزيز الصناعات الثقافية، وتحقيق العدالة الثقافية لمختلف المناطق والفئات والأعمار، ورفع كفاءة العاملين بالمؤسسات الثقافية. ومثل هذه الأهداف الطموحة.. تتطلَّب تضافر جهات كافة مؤسسات التنشئة، وفي مقدمتها وزارة الثقافة بطبيعة الحال. كما تتطلَّب قيام الجميع بالبناء على الجهود السابقة، والاستفادة مما تحقَّق من تراكم. وهنا تظهر ثغرتان…
الثغرة الأولى: تتمثَّل في ضعف التنسيق المؤسسي؛، حيث تعمل كل الأطراف المُخاطَبة.. بتنفيذ الاستراتيجية، فيما يشبه الجزر المنعزلة. وأضرب مثالاً في هذا الخصوص، يتعلَّق بالتقييم السنوي لمنظومة القيم.. التي تبثها الدراما الرمضانية؛ باعتبارها الدراما الأكثر جماهيرية. هذا الدور المتكرر.. يؤديه عدد من المؤسسات المعنية؛ كالمجالس القومية والمراكز الثقافية. لكنها تعمل بشكل منفصل.
ومع كون كل منها قد تكون له قضيته الأساسية.. التي يركز عليها، إلا أن هذه القضية تتقاطع مع اهتمامات الأطراف الأخرى بالتأكيد، فلماذا لا تكون وزارة الثقافة هي المايسترو.. الذي يقوم بالتنسيق بين جهود كافة الأطراف، على نحو يضمن تكاملها وتقاطعها وليس توازيها، وبحيث يتواصل تقييم القيم المتضمَّنة في الدراما على مدار العام كله؟
الثغرة الثانية: تتمثل في الانقطاع.. وعدم الاستمرارية، وهنا لن أتحدث عن التجارب التي تبدأ شديدة الطموح، ثم تتوقف؛ كتجارب الحوار الداخلي في مختلف الشؤون – ومنها الشأن الثقافي – لكني سوف أتحدث عن تجربة تطوير المناهج.. في إطار وزارة التربية والتعليم. ولا خلاف حول حاجة مناهجنا للتطوير.. بما يجعلها مواكبة للعصر، ويضمن تنشئة الطلاب على قيم حقوق الإنسان في المراحل التعليمية المختلفة. هذا الهدف الثمين.. هو هدف أزلي، تم الاشتغال عليه منذ عهد المطوِّر الكبير.. الوزير الأسبق الدكتور حسين كامل بهاء الدين. ففي عهده، بدأت علاقتي بالمشاركة في تقييم تطوير المناهج.. في إطار كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ثم تواصلَت في إطار المجلس القومي لحقوق الإنسان. وبدون أن أقع في فخ المبالغة، أستطيع القول.. إنه ما من وزارة للتربية والتعليم، إلا وتبنَّت عملية التطوير، لكن كلاً منها باشر هذا التطوير.. وفق إطار فكري مختلف عن الآخر؛ على نحو يمكن معه اعتبار أننا بصدد عدة تجارب منفصلة لتطوير المناهج التعليمية، ولسنا إزاء تجربة مؤسسية.. لها فلسفتها الواضحة، ولا علاقة لها بشخص المسؤول.
فما هي حدود مشاركة وزارة الثقافة – ممثَّلة في مجلسها الأعلى – في عمليات التطوير هذه. وما هو موقفها منها؟
لقد كانت هناك تجربة مهمة.. قام فيها المجلس الأعلى للثقافة، بالمشاركة في تقييم إحدى تجارب تطوير المناهج التعليمية، وكان ذلك في عامَي 2014 و2015، وغير معلوم مآل هذه التجربة، ولا نتائجها. أفتح قوسين، لأقول.. إنني لم أصادف تحليل مضمون لكتب التعليم الفنِّي؛ رغم أهميته.
عندما ننتقل لسؤال: هل يمكن للثقافة أن تسهم في مواجهة العنف؟ فإن من المسلَّم به، أنه كلما زادت مساحة الجمال، والإبداع.. بمختلف أشكاله، انحسرت مساحات التطرف والعنف والشطط. وينتمي جيلي لهذه المرحلة من تاريخ مصر؛ التي كان فيها للسينما نادٍ، وللباليه برنامج، وللمكتبة زيارة، وللأطفال جنَّة، وللبحار والحيوان عالم، وللعالم نافذة، وللثقافة أمسية، ولللغة العربية مَن يحتفون بمواطن الجمال فيها.
وساهم هذا الزخم الفكري والثقافي الرائع.. في تشكيل وجدان المصريين، وساعد على سويتهم النفسية، بل وجعل هذه المرحلة التاريخية من عُمر مصر.. المرجعية التي يقاس عليها؛ باعتبارها تمثل «الزمن الجميل». فالثقافة قادرة على تغيير السلوك. صحيح أنها قد تواجه معارضة، لكن متى توفرت الإرادة.. تحقق التغيير. في ذهني، المثال الفذ لفتيات فرقة «بانوراما البرشا».. الآتيات من الصعيد الجوَّاني، وبالتحديد من محافظة المنيا، إحدى المحافظات التي تتواتر فيها أعمال العنف الطائفي. واجهت هذه الفرقة الغنائية بشجاعة.. تلك التقاليد الجامدة؛ التي تتحكَّم في تعليم الفتاة وميراثها وزواجها، ونقلت الفن إلى الشارع.. على نحو يُذكِّرنا بتجربة «الفن ميدان»، للشاعر الكبير زين العابدين فؤاد.
ورغم ما تعرضت له الفرقة من عنف وتنمُّر، لكنها صمدت وقاومت، وتوسَّعت من عشر بنات في البداية.. إلى ستين في عام 2024، وهو نفس العام الذي حصلت فيه على جائزة «العين الذهبية».. من مهرجان كان.
إن العنف الاجتماعي في مصر، لم يعد يعبِّر عن نماذج استثنائية؛ وإنما صار متكرراً، وواضحاً للعيان.. على نحو يصعب تجاهله. وهذ الوضع يتطلب استنفار مؤسسات الدولة.. لوضع هذه القضية على قمة أولوياتها، والعمل بشكل متكامل ومترابط.. من أجل بناء منظومة قيمية سليمة، تعيد المصريين إلى ماكانت عليه طبيعتهم.. في مرحلة الزمن الجميل.
نقلاً عن «الأهرام»