زاهي حواس
عاد موضوع أبو الهول الثاني.. للظهور مرة أخرى، وهذه المرة في إيطاليا. وكان أول من أثار وجود توأم لتمثال أبو الهول هو الباحث الأثري والمرشد السياحي المعروف.. بسام الشماع.
يعتقد مجموعة من الإيطاليين وجود أبو الهول الثاني.. إلى جنوب الطريق الصاعد الخاص بهرم الملك خفرع. وقد اعتمدوا على أربع نقاط.. لدعم نظرية وجود أبو الهول الثاني:
أولاً: أن الفن المصري القديم يحافظ على السيمترية في البناء والشكل، ولذلك فما دام هناك تمثال لأبو الهول في الناحية الشمالية من الطريق الصاعد، فلا بد أن يكون هناك تمثال آخر في الجنوب! مثل تلك السيمترية.. موجودة في مداخل المعابد الفرعونية. وقد اعتمد المصري القديم فعلاً.. على السيمترية في الفن. وقد نجد السيمترية موجودة في لوحة الحلم، أو لوحة الإحصاء؛ التي يطلق عليها أيضاً لوحة ابنة خوفو. ومن المعروف، أن الأولى ترجع إلى الدولة الحديثة – أي بعد بناء أبو الهول بمدة طويلة – والثانية ترجع إلى الأسرة 26.
وبالتالي إذا كان هناك تمثالان لأبو الهول.. مصوَّران على لوحة الحلم، لكن هذا لا يعني إطلاقاً.. وجود تمثال آخر لأبو الهول، موازٍ للتمثال الأول. كما أن وجود تمثالين لأبو الهول على لوحة الحلم.. له معنى ديني، يشير إلى أن ملك مصر يقدم القرابين لأبو الهول؛ مرة عند مشرق الشمس، وأخرى عند غروبها. وهذا بالفعل، ما نجده داخل معبد أبو الهول.. الواقع أمامه مباشرة؛ حيث توجد مقصورة شرقية خاصة بالطقوس التي تقدم مع شروق الشمس، وأخرى غربية خاصة بطقوس غروب الشمس. ويؤكد النص المكتوب على اللوحة.. أن الأمير تحتمس يقدم القرابين إلى أبو الهول واحد.. اسمه «حور إم أخت» أي (حورس في الأفق)، وليس هناك أي ذكر – في لوحة الحلم – لوجود تمثالين لأبو الهول في منطقة الجيزة.
ثانياً: الحديث عن أن معبد الوادي.. كان هو المعبد المخصص لعبادة أبو الهول الثاني «الأنثى»، فهذا موضوع لا يتفق مع أبسط قواعد علم الآثار المصرية، لأن المجموعة الهرمية – منذ الأسرة الرابعة وحتى الدولة الوسطى – تتكون من عناصر مهمة.. متصلة بالهرم؛ ومن هذه العناصر معبد الوادي.. المحدد مكانه ووظيفته. هذا المعبد.. يُعتبر مدخلاً للمجموعة الهرمية، وكانت عبادة الملك كـ«حورس» تقام داخل هذا المعبد.. المتصل بميناء، وقناة تتصل بنهر النيل. أما معبد أبو الهول – الواقع أمام التمثال مباشرة – فله وظيفة محددة متصلة بأبو الهول.
وهناك نقطة مهمة يجب مراعاتها، وهي أن وضع أبو الهول الحالي، ومعبده.. قد نشأ في ظروف جديدة، متصلة بالديانة المصرية؛ خاصة لأننا نعتقد أن الملك «خوفو».. قد خالف العقائد المصرية المعروفة، ونصب نفسه إلهاً أثناء حياته؛ أي أنه جعل نفسه هو «رع». ولذلك فقد نحت «خفرع» هذا التمثال، لكي يمثله كـ«حورس».. وهو يتعبَّد لإله الشمس «رع – خوفو»، الذي يشرق ويغرب.. من المعبد الواقع أمامه؛ أي أن هذه الحالة فريدة، لم تتكرر في التاريخ المصري إطلاقاً، ولذلك لا يجب أن نشير إلى وجود خليلة لأبو الهول.
ثالثاً: أما عن لوحة الإحصاء – أو لوحة ابنة «خوفو» – التي يعتمد عليها صاحب نظرية وجود توأم لأبو الهول؛ فهي لوحة ليس لها صلة بالدولة القديمة إطلاقاً، بل كتبت عام 500 ق.م، وعثر عليها أوجست مارييت.. في أوائل القرن التاسع عشر داخل معبد «إيزيس»، الذي يقع إلى الشرق مع هرم الملكة «حنوتسن».
هذا المعبد كان أصلاً باسم عصر النهضة أو العصر الصاوي، وهو عصر عُرف بالعودة إلى إحياء آثار وفنون وتقاليد الماضي أي الدولة القديمة. ويقول النص المسجل على اللوحة إن «خوفو» هو الذي عثر على أبو الهول ومعبد «إيزيس»! وبعد ترجمة هذا النص احتار علماء الآثار كيف يعثر «خوفو» على أبو الهول، وهذا معناه أن التمثال يعود إلى ما قبل عصر الملك «خوفو»؟ ولكن اتضح من دراسة اللغة أن النص يعود بقواعده وشكل الكتابة إلى هذا العصر. واعتقد البعض أنه نسخة من أصل قديم. ولكن في النهاية اتضح للعلماء أن كهنة «إيزيس» كانوا يحاولون إضافة قِدَم وأصالة إلى معبد الإلهة «إيزيس»، ولذلك أقحموا اسم أبو الهول. ولدينا العديد من الأمثلة المعروفة في التاريخ المصري القديم التي تؤكد تكرار هذا الموضوع.
وعن سبب اختفاء أبو الهول المزعوم وجوده كان بسام قد افترض حدوث صاعقة قديماً دمرت أبو الهول الأنثى. وهذا شيء لا يمكن تصديقه. فلو افترضنا أن هناك صاعقة قد حدثت فعلاً ودمرت أبو الهول الثاني، فلماذا لم تدمر الصاعقة أبو الهول الحالي أو معبد الوادي أو أي أثر بمنطقة الهرم، ولو دمرت الصاعقة أبو الهول الثاني فقد تترك أدلة لوجود التمثال، فلن تخلع الصاعقة التمثال مثلما تقتلع الشجرة من جذورها؟! أما موضوع الصاعقة التي تم ذكرها في لوحة الإحصاء فقد اتفق علماء الآثار والجيولوجيا على أنها دمرت الأشجار المعمرة التي كانت موجودة في الوادي الواقع بجوار أبو الهول، وهو وادي الغزلان.
رابعاً: موضوع أن شكل أبو الهول الحالي ووضعه يمكن أن يقارن بما كان على جانبي مداخل المعابد، حيث تتوازى السيمترية ويُصوَّر أو يُنحت ما هو موجود على الجانب الأيمن من المدخل على الجانب المقابل، فهذا خطأ ومقارنة ليست في موضعها الصحيح، حيث إن أبو الهول لا يقع عند مدخل معبد، بل على العكس تماماً كان المعبد هو الذي يوجد أمامه. أما عن الموقع الذي ذكر ويوجد به خليلة أبو الهول على حد قوله، فهذا الموقع حفر فيه العالم الكبير الراحل سليم حسن وكشف المدينة الهرمية للملكة «خنت كاوس». ولم يعثر على أي دليل إطلاقاً لوجود تمثال آخر في هذا المكان.
وإذا نظرنا إلى خريطة هضبة الجيزة سنجد أنه لا يوجد هناك مكان يمكن الافتراض في وجود تمثال آخر، بالإضافة إلى أن الأدلة الأثرية تثبت أن أبو الهول قد نُحت في عهد «خفرع»، ويؤكد المخصص الذي ينتهي به اسم أبو الهول «حور إم أخت» ذلك، فنجد أنه عبارة عن أسدين متدابرين بينهما قرص الشمس. واستطاع المهندس المعماري أن يضع التمثال الحالي لكي يوجد كإله للشمس بين أفق «خوفو» وأفق «خفرع».
نقلاً عن «المصري اليوم»