زاهي حواس
يُعد المشروع المصري لدراسة المومياوات الملكية – باستخدام الحمض النووي- DNA من أهم المشروعات العلمية.. التي أُجريت على الحضارة المصرية القديمة خلال العقود الأخيرة. لم يقتصر الهدف فقط على كشف أسرار العائلات الملكية، وتحديد المومياوات مجهولة الهوية، بل أثبت قدرة العلماء المصريين.. على قيادة أبحاث علمية متقدمة، في مجالات شديدة الحساسية والتعقيد، بل كفاءة واقتداراً.. شهد لهم بها العالم.
في البداية، وباعتباري رئيس المشروع المصري لدراسة المومياوات الملكية، كنت متخوفاً من استخدام الحمض النووي.. لسببين رئيسيين؛ السبب الأول: أن جامعة برمنجهام University of Birmingham قامت بتمويل مشروع.. للحصول على عينات من المومياوات الملكية. ورغم ذلك، لم نسمع بعدها عن أي إعلان واضح، أو نتائج علمية منشورة.. تخص هذه الدراسات. أما السبب الثاني: فكان خوفي من أن يظل هذا المجال.. حكراً على الأجانب فقط؛ خاصة أن بعضاً – إن لم يكن كثير – من التجارب السابقة، شهدت تجاوزات.. بعضها فج، من فرق أجنبية تعاملت مع المومياوات المصرية دون ضوابط علمية، بل وبدون منهج أخلاقي يحكم التجارب.
لقد فوجئ الجميع، بأن بعض أعضاء الفريق الفرنسي الذي أشرف على دراسة مومياء الملك رمسيس الثاني.. حصلوا على عينات من شعر الملك، وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول كيفية السماح بخروج مثل هذه العينات من المتحف المصري. ليتضح بعد ذلك، أن العينات تمت سرقتها عندما كانت مومياء الملك، كانت تعالج في فرنسا في سبعينيات القرن الماضي. كما ظهرت تفسيرات غير دقيقة.. أثناء دراسة مومياء الملك توت عنخ آمون؛ حين ادعى بعض الباحثين وجود آثار حرق بالمومياء، بينما كان السبب الحقيقي لآثار الحريق على المومياء.. هو المحاولات التي قام بها هوارد كارتر – مكتشف المقبرة – لفصل القناع الذهبي عن الجسد، بعد التصاقه بزيوت الراتنج.. المستخدمة في التحنيط؛ وذلك باستخدام سكاكين مسخنة على النار.. لفصل القناع، وهو ما أدى إلى تدمير في المومياء، وظهور بعض آثار الحرق.
ومن هنا، جاءت القناعة بضرورة أن يقود المصريون الأبحاث.. التي تجرى على المومياوات بأنفسهم، خاصة مع وجود علماء على مستوى من الكفاءة العلمية؛ وفي مقدمتهم الدكتور يحيى جاد.. الذي يقود فريقاً علمياً مصرياً على أعلى مستوى من الاحترافية والمهنية.
وقد تم البحث عن التمويل اللازم لإنشاء معامل متخصصة، مع الالتزام الكامل بجميع الخطوات العلمية.. المعتمدة في دراسة الحمض النووي القديم. وجاءت البداية الحقيقية للمشروع، مع الرغبة في الكشف عن عائلة الملك توت عنخ آمون؛ وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً بين علماء المصريات لسنوات طويلة. فهناك نصوص تشير إلى أن الملك أخناتون.. ربما كان والد توت عنخ آمون، بينما توجد أدلة أخرى تربط الملك أمنحتب الثالث بالعائلة.. بشكل مباشر. كما تعددت النظريات حول هوية أم الملك، وهل كانت الملكة كيا، أم شخصية ملكية أخرى؟ ولذلك تم إطلاق مشروع علمي ضخم، لإعادة بناء شجرة العائلة الملكية للأسرة الثامنة عشرة.. اعتماداً على الدراسات الجينية.
وبعد الإعلان عن المشروع، تقدمت عدة جهات عالمية لتوثيق العمل، من بينها قناتي «ناشيونال جيوجرافيك« و«ديسكفري«، وتم اختيار التعاون مع قناة «ديسكفري« بعد تقديمها العرض الأفضل. كما تم إنشاء معمل متخصص في بدروم المتحف المصري بالقاهرة، إلى جانب معمل آخر بكلية الطب في قصر العيني، كما تم تشكيل فريقين منفصلين تماماً.. لضمان دقة النتائج، وعدم وجود أي تأثير متبادل بينهما. وقد جرى الحصول على عينات دقيقة للغاية من المومياوات، دون أي ضرر يُذكر للأجساد الملكية.
وشملت الدراسة عدداً كبيراً من المومياوات الملكية؛ من بينها مومياء توت عنخ آمون، والمومياء المعروفة بالسيدة الكبيرة، والسيدة الصغيرة، بالإضافة إلى المومياء الموجودة في المقبرة رقم 55.. التي يُعتقد أنها للملك إخناتون. وتم تحليل العينات داخل المعملين المصريين بشكل مستقل، ثم إرسال النتائج إلى جهات علمية دولية للتأكد من صحتها.
وبعد مراجعات استمرت عدة أشهر، تم اعتماد النتائج، ونشرها في مجلة الرابطة الطبية الأمريكية، لتصبح الدراسة واحداً من أهم الأبحاث العلمية المتعلقة بالعائلات الملكية في مصر القديمة. وقد ساهمت هذه الدراسات – التي أُجريت بين عامي 2007 و2010 – في إعادة بناء شجرة العائلة لأربعة أجيال.. من أسرة توت عنخ آمون، كما فتحت الباب أمام مشروعات أخرى للبحث عن هوية الملكة نفرتيتي، وتحديد أصحاب بعض المومياوات المجهولة، التي عُثر عليها داخل مقابر وادي الملوك، خاصة المومياوات الموجودة في المقبرة رقم 21.
ورغم التوقف شبه الكامل للأبحاث بعد عام 2011 – بسبب نقص التمويل، والظروف التي مرت بها البلاد – عاد العمل مرة أخرى بداية من عام 2018.. داخل معامل متحف الحضارة، التي تم تجهيزها بأحدث التقنيات العلمية، لتصبح من بين أكثر المعامل تطوراً في العالم.. في مجال دراسة المومياوات، والحمض النووي القديم. ومن أهم المشروعات الحالية، دراسة السبب الحقيقي لوفاة الملك توت عنخ آمون، حيث كشفت الفحوص عن وجود كسر في عظمة الفخذ أعلى الركبة.. مع مؤشرات تدل على بداية التئام العظم، مما يرجح أن الملك توفي بعد الإصابة بفترة قصيرة، نتيجة مضاعفات صحية، وربما تلوث ميكروبي.. وفقاً لما أشار إليه الدكتور جاد. كما تسعى الدراسات الحديثة – باستخدام تقنيات التسلسل الجيني المتطورة – إلى الكشف عن البصمة الوراثية الكاملة للمومياوات الملكية، وإنشاء قاعدة بيانات علمية متكاملة.. تساعد على فهم العلاقات الأسرية، والأمراض الوراثية.. التي أصابت قدماء المصريين.
ويؤكد هذا المشروع أن مصر لا تمتلك فقط أعظم آثار العالم، بل تمتلك أيضاً علماء قادرين على إجراء أبحاث علمية عالمية.. بمنهجية دقيقة، ومستوى علمي متقدم. فحين يشاهد الزائر داخل متحف الحضارة هذا الفريق المصري، بقيادة الدكتور يحيى جاد، ومعه الدكتورة سمية إسماعيل، ومجموعة من الباحثين الشباب، يدرك حجم الجهد العلمي المبذول، ويشعر بالفخر بأن هذه الأبحاث – التي تكشف أسرار الحضارة المصرية القديمة – تُدار اليوم بأيدٍ مصرية خالصة.
نقلاً عن «المصري اليوم«