Times of Egypt

الدلتا الجديدة وتساؤلات الناس

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

ذكَّرتني مشاهد الدلتا الجديدة.. بما أثار دهشتي، وبقيت كذلك لمدى طويل، ألا وهو مساحات القمح الهائلة.. التي رأيتها في الطريق من كندا للولايات المتحدة. ساعات بعد ساعات، والسيارة تمضي بسرعة، ولا شيء على الجانبين.. سوى حقول القمح، وأدوات الري العملاقة؛ التي تبدو وكأنها كائنات أتت من كوكب آخر، ولا ترى العين بشراً من قريب أو من بعيد، والإنسان الوحيد الذي صادفته.. كان شرطياً أمريكياً، طلع علينا فجأة، وأصدر صوت السارينة.. من دراجته النارية، فتوقفنا من فورنا، ورفع قائد السيارة يديه من على عجلة القيادة، وطالع الشرطي الأوراق، وقبض المخالفة ومضى. 

… ميكنة كاملة في تسوية الأرض والبذر والري والحصاد.. وبعدما تجاوزنا حزام القمح، دخلنا حزام الفاكهة.. ولا بشر أيضاً! 

هذه هي الزراعة الواسعة، التي نتمناها أكثر وأكثر.. في صحراوات المحروسة، لتترك في أنفسنا بهجة غير محدودة، ولتجعلنا نتمنى أن نتابعها، فنعرف مدى استمرارها، ومدى مساهمتها في تخفيف أعباء الناس؛ خصوصاً الأغلبية التي تصنَّف عالمياً.. بأنها تقبع تحت خط الفقر، ويتساءلون الآن – مع جنون الأسعار – عن أوضاع ومصائر مزارع السمك، وسمك البحيرات.. التي تم تطهيرها وتوسيعها وتعميقها، ومزارع النخيل والفواكه، وصوب الخضراوات.. من خيار وطماطم وبقوليات، ومشروعات اللحوم والألبان ومنتجاتها، وغيرها من المشاريع.. التي استبشروا بها خيراً عند الإعلان عنها، خلال السنوات من 2013 وما بعدها، وتأملوا أنهم سيجدون احتياجاتهم المعيشية بأسعار معقولة.. تتناسب مع دخلهم وأعبائهم؛ من سكن وتعليم وصحة وكسوة. 

وقبل أن أستطرد، فإنني لجأت للإنترنت.. لأعرف ما هو خط الفقر، وكيف يتم تحديده؟ 

فوجدت أن هناك خط الفقر الرسمي – أي وفق تقديرات الحكومة المصرية، ويحدَّد بناء على تكلفة الحصول على الاحتياجات الأساسية، أي الطعام والمسكن والملبس والتعليم والصحة – وجدت أن التقديرات الاقتصادية الرسمية.. تشير إلى أن خط الفقر المحلي يتجاوز حالياً 1370 إلى 1400 جنيه شهرياً للفرد الواحد، وبناء على ذلك، فإن الأسرة المكوَّنة من 4 أفراد.. تُعتبر تحت خط الفقر، إذا كان دخلها يقل عن 5400 جنيه إلى 5600 جنيه، ثم وجدت أن خط الفقر الدولي – وفق البنك الدولي – 3 دولارات للفرد في اليوم – أو مستويات متقاطعة تتراوح بين 3 و6.8 دولار.. هي خط الفقر – وبناء على ذلك المعيار.. وفق معلومات الإنترنت، تشير بعض تقارير البنك الدولي إلى أن نسبة كبيرة من المصريين، قد تصل لنحو 66٪؛ يندرجون تحت هذا الخط المعياري الدولي للفقر. 

ثم أضاف المصدر العنكبوتي.. أنه يتم قياس نسبة الفقر الرسمية في مصر دورياً؛ من خلال بحث الدخل والإنفاق، الذي يُجريه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وبعد هذا التعريف، أرجع مرجوعي لتساؤلات الناس – وأنا منهم – أين مردودات ما تم الوعد به؟ وما كان يُعلن دورياً عن الإنجاز فيه؟ ولماذا لا تبادر الحكومة إلى إعلان دوري منتظم.. عن أوضاع تلك المشروعات، وما تساهم به في الوفاء باحتياجات الناس، وتأثيرها على معادلة الأسعار وتكاليف الحياة؟

هذا، إذا كانت تلك المشروعات تمت على الوجه الذي احتوته الإعلانات عنها، لأنني لا أريد أن أسجل في هذه السطور.. ما أسمعه من كلام – صدر بعضه عن مسؤولين عن بعض تلك المشروعات – فيه سلبيات بدرجة أو أخرى، حتى لا أُتهم ببث الكذب، أو أقع في وزر «إن جاءكم فاسق بنبأ». 

إنها تساؤلات مشروعة، وما لم تقم الحكومة والجهات الرسمية المسؤولة.. بالإجابة عنها، وتوضيح الحقائق – حتى لو كانت مؤلمة – فإن الشائعات والحملات المضادة المغرضة.. من أهل الشر، تجد أرضاً مهيأة لنمو كل ما هو ضار. ثم إن هؤلاء الناس – الذين يبلغون حوالي سبعين في المائة من سكان المحروسة – يدفعون كل ما يُطلب منهم.. من ضرائب ورسوم ودمغات، ومخالفات وغرامات وإتاوات.. لصناديق ما أنزل الله بها من سلطان، موجودة في أكثر من جهة، ومن حقهم أن يعرفوا أوضاع ومصائر ما اعتقدوا أنه.. أُنشئ من أجلهم. 

ولقد عرفت أن هيئة التأمينات لا تقبل تجديد الاشتراكات.. إلا إذا كانت الجهة مسجلة ضريبياً، وتستعين بمحاسب قانوني، وأن الضرائب ستؤخذ من العاملين.. حتى إن كانت الجهات التي يعملون بها مكاتب تمثيلية. وقد سمعت أحد صغار العمال «فرَّاش» يئن، ويردد: «إيش تاخد الريح من البلاط»، فتذكرت صيحة أجداده في القرن التاسع عشر.. عندما هتفوا في الحواري والشوارع «الفِردة بطَّالة»، ثم تصاعد صراخ طوائفهم عندما «خرج الفقراء والعامة والنساء يصرخون، وبأيديهم دفوف يضربون عليها، ويندبن وينعين، ويقلن كلاماً عن الأمراء، وقد صبغن أيديهن بالنيلة وغير ذلك». 

هذا ما كتبه جدنا المؤرخ عبدالرحمن الجبرتي.. في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، عن أحوال مصر قبيل تولية محمد علي باشا. وسأكتب في المقال المقبل عن «الفِردة» و«الجامكية» و«الكتخدا» و«الخشداشينة»، وهي مفردات تلك الفترة، وتتصل اتصالاً قوياً.. بالشدة التي عانتها المحروسة.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة