د. أحمد يوسف أحمد
تمثل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.. حالة دراسية مهمة، غنية بالدروس في إدارة الصراعات الدولية؛ خاصة لأن أحد أطراف هذا الصراع هو القوة الأولى في العالم حتى الآن، والملاحظات على إدارة الرئيس الأمريكي لحربه ضد إيران عديدة، أتخيَّر منها الست التالية:
في الملاحظة الأولى.. يجب ألا ننسى أن المتسبِّب الأصيل في الجولة الحالية من الصراع.. هو ترامب نفسه، عندما انسحب – في ولايته الأولى – من اتفاق 2015.. الذي تم فيه التوافق بين إيران والأسرة الدولية – ممثلة في الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة لألمانيا – على قواعد حاكمة للبرنامج النووي الإيراني، وكان هذا الاتفاق دليلاً على صدق النية الإيراني..ة في وضع برنامجها النووي في سياق الشرعية الدولية. كان انسحاب ترامب من الاتفاق.. هو الذي أعطى الذريعة لإيران لزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، على النحو الذي خلق مشكلة جديدة.. تستعصي – حتى الآن – على جهود التسوية. ويمكن أن نضيف لهذا قضية ازدواجية المعايير.. التي تجعل قضية القدرات النووية الإسرائيلية منزَّهة عن الملاحقة، بينما يستدعي مجرَّد احتمال وصول إيران للعتبة النووية.. المبادرة بتلك الحرب الضارية، وتداعياتها الكارثية.
وتتعلق الملاحظة الثانية.. بمبادرة ترامب بالهجوم.. دون أدنى استشارة لحلفائه وأصدقائه في المنطقة، وكانوا كلهم – في حدود ما نعلم – معترضين على الحرب؛ لأنهم الأدرى بتداعياتها السلبية، بعد أن كانوا قد قطعوا شوطاً جيداً.. في تحقيق انفراجة في العلاقات مع إيران، بدا أول وأهم ملامحها في الاتفاق السعودي-الإيراني في مارس 2023، وما تلاه من تطورات إيجابية.. في علاقات دول عربية أخرى مع إيران. والغريب، أن ترامب نسب تأجيله للهجوم – الذي ادَّعى أنه كان ينوي شنه الثلاثاء الماضي – إلى نصيحة ثلاثة من أصدقائه العرب، وكان الأولى به أن يستشيرهم في بدء الهجوم أصلاً. وترتبط هذه الملاحظة، بما هو شائع عن أن نتنياهو لعب دوراً رئيسياً.. في استدراج ترامب للحرب على إيران؛ وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية.. حول استقلالية القرار الأمريكي في قضايا خطيرة، كقضية العمل العسكري ضد دولة. وإن كان هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ليست لها أهدافها الخاصة.. من وراء هذا العمل. وتكفي الإشارة إلى فكرة حصار مصادر الطاقة – التي تعتمد عليها الصين لمواصلة زحفها نحو القمة – وذلك بمحاولة إخضاع إيران، بعد أن تمت عملية فنزويلا في يناير الماضي.
أما الملاحظة الثالثة.. فتشير إلى لجوء ترامب للخداع التكتيكي في إدارة الصراع؛ فقبل عدوان إسرائيل على إيران في يونيو 2025، طلب من نتنياهو ألا يُقْدِم على عمل عسكري.. لأن ثمة مفاوضات مع إيران. لكنه هاجم إيران، وتفاخر (ترامب) بأنه كان على علم بالهجوم. كما شارك في مرحلته الأخيرة.. بقصف مفاعل فوردو، وبدأ العدوان الأخير في ذروة التصريحات الإيجابية.. عن تقدُّم المفاوضات، وقد تسبَّب هذا السلوك في انعدام ثقة.. متوقع، من الجانب الإيراني تجاه النوايا الأمريكية، وهو ما عرقل بالتأكيد سير المفاوضات.. التي أعقبت وقف إطلاق النار، لأن الجانب الإيراني يصر على المطالبة بضمانات كاملة.. ضد أي اسئناف لأعمال العدوان.
وتثير الملاحظة الرابعة.. فكرة رشادة ترتيب الأدوات، التي وُظِّفَت في إدارة الصراع مع إيران؛ فقد بدأ ترامب بالأعمال العسكرية على نطاق واسع، أحدث ما أحدثه من تدمير هائل، ولم يؤدِّ مع ذلك لاستسلام إيران.. فأعلن الحصار البحري.. الذي لا شك أنه يؤلمها. ويبدو الترتيب معكوساً على هذا النحو.. فالمنطق يفترض البدء بالأداة الأقل تكلفة؛ كالدبلوماسية.. فإن فشلت أمكن اللجوء إلى أداة أكثر إيلاماً كالضغط الاقتصادي، فإذا استمر رفض الاستسلام.. يكون استخدام القوة مبرراً. وربما أسهل من منظور تحقيق الأهداف، وثمة تقارير لم أتأكد من مدى صحتها.. تذهب إلى أن هذا التسلسل المنطقي، كان هو التصوُّر المقدَّم من قِبَل هيئة الأركان الأمريكية، لكن ترامب خالفه، واضطُر للجوء إليه لاحقاً، عندما عجز الخيار العسكري عن تحقيق هدفه.
وتنصبُّ الملاحظة الخامسة.. على الإسراف في إطلاق التهديدات، وقد أجرى ترامب – منذ ما قبل بدء العملية العسكرية الأخيرة ضد إيران، وحتى الآن – عشراتٍ من المقابلات الصحفية والتليفزيونية، فضلاً عن إجاباته السريعة.. على أسئلة المراسلين.. كلما أمكنه ذلك. ولا تكاد تخلو مقابلة أو تصريح.. من تهديدات ثقيلة لإيران، كثيراً ما وصلت لوجودها ذاته، والتهديد أداة معروفة في مواقف الردع، ويمكن أن تأتي بنتائج ملموسة.. إذا أُحْسِن استخدامها.. في ظل خلل ما في ميزان القوى العسكرية بين طرفي مباراة الردع، وهو ما يتوافر لصالح الولايات المتحدة بطبيعة الحال. غير أن الإسراف في إطلاق التهديدات، دون تنفيذها.. بذرائع مختلفة غير مقنعة، يقوِّض من صدقية هذه التهديدات. فضلاً عن أن الانصياع لها، لا يمكن أن يحدث.. في القيم العليا للشعوب؛ كقيمة الاستقلال. وهو ما يبدو ترامب عاجزاً عن فهمه.. حتى الآن.
وتسجل الملاحظة السادسة (الأخيرة).. المبالغة الشديدة – من قِبَل ترامب – في الحديث عن نتائج الضربات على إيران. فلا شك أنها قد تكبَّدت خسائر فادحة.. نتيجة هذه الضربات، لكن ترامب تحدَّث عن إنجازات ساحقة؛ وصلت إلى حد التدمير الكامل لقوة إيران العسكرية، وتغيير نظامها السياسي، بل وإزالة إيران نفسها – كدولة – من على الخريطة. وإذا كان هذا صحيحاً، فمن الذي يواصل حتى كتابة هذه السطور.. رفض مقترحاته؟ ومن يغلق مضيق هرمز؟ ولماذا تتحدث تقارير أمريكية عن تعافٍ عسكري إيراني ولو جزئياً؟ ويثير هذا أسئلة كثيرة.. حول سلامة ما يعلنه الرئيس، وهو أمر لا يصب في صالحه بالتأكيد.
قد تدفعنا الملاحظات السابقة، إلى التعمق لاحقاً.. في محاولة فهم أسلوب ترامب في اتخاذ قراراته؛ خاصة أنها تضع العالم كله على حافة الهاوية.
نقلاً عن «الأهرام»