زياد بهاء الدين
أتابع بقلق.. التداعي في الحوار الجاري – عبر صفحات التواصل الاجتماعي – حول العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني الشقيقين. ليس في نيتي التعليق هنا على التدخل المصري الأخير.. لوقف أعمال التنقيب عن الذهب قرب الحدود، ولا الاعتداء الذي وقع في الخرطوم.. على مجموعة من المصريين؛ وأسفر عن مقتل اثنين وإصابة ثالث. فخطورة الموضوع ودقته، والحرص على العلاقة بين البلدين، تحتم تركه لمن بيدهم الأمر، وتفادي تحويله لقضية إعلامية ساخنة. وأدعو الآخرين للتروي؛ لأن الواضح أن الجهات المعنية في البلدين.. تسعى لاحتواء تداعيات ما جرى.
لا أقول ما سبق، لأنني من أنصار السكوت عموماً، وترك السياسة لأولي الأمر. بل أرى أن من حقنا – كمواطنين ومعلقين – أن نتابع أعمال الحكومة والدولة.. في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن نقيم هذه الأعمال، وننتقدها عند اللزوم، ونبرز نجاحاتها متى تحقت. ولكن التمييز واجب.. بين ما يجوز متابعته وتقييمه والخلاف عليه.. من القضايا العامة، وبين ما يلزم التعامل معه بحرص وهدوء؛ خاصة فيما يتعلق بالأمن القومي.
وعلاقتنا مع السودان الشقيق.. تستحق هذا الحرص – ربما أكثر من أي ملف خارجي آخر – فالسودان جارنا التاريخي، وبوابتنا الجنوبية (على امتداد القارة الأفريقية)، ومنه تتدفق إلينا مياه النيل، وفيه تدور حرب أهلية طاحنة.. يدفع أهله ثمنها غالياً. وإلى جنوبه، يدور صراع دولي خطير لبناء قواعد عسكرية، وللسيطرة على باب المندب، وللتحكم في مصادر مياه النيل، واستغلال الثروات المعدنية. فبغض النظر عن الخلاف على قضايا محددة – وهذا طبيعي بين جارين وشقيقين – إلا أن مصلحتنا ستكون دائماً.. مع استعادة السودان لاستقراره وأمنه واستقلاله، ومع انتهاء حروبه الداخلية، والعمل على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية.
آخر ما نحتاجه الآن؛ هو إلقاء المزيد من الوقود على نار مشتعلة بالفعل، أو إذكاء فتنة لا تزال كامنة.. واجبنا وأدها في المهد. ولكن، إن كان الصبر والتروي مطلوبين على الجانب السياسي، فإن هناك ما يجب عمله في المجالين الشعبي والإنساني.. من أجل وأد هذه الفتنة المتصاعدة؛ وأقصد بذلك موقفنا حيال أشقائنا من الشعب السوداني؛ سواء المقيمين هنا منذ فترة، أو ممن دفعتهم الحرب الأهلية للنزوح المؤقت.. تاركين أسرهم وممتلكاتهم وحياتهم.. باحثين عن ملاذ آمن في مصر.
قد تكون أعداد المهاجرين – في السنوات الأخيرة – قد فاقت ما كان متوقعاً. وقد يكون هناك ثمن اقتصادي لاستضافتهم.. في ظل ظروف اقتصادية صعبة من الأصل. ولكن أهلنا السودانيين المقيمين معنا – برغم أعدادهم الكبيرة – تحلوا دائماً بالسلوك الهادئ الودود، والحرص على الانخراط في مسالك الحياة الطبيعية.. دون توتر أو افتعال أزمات، وبعلاقات الجيرة والمودة مع أهل البلد، وبالعمل في المجالات المتاحة، بانتظار العودة لبلدهم وأهلهم ومصالحهم.. في أول فرصة سانحة.
هؤلاء ليسوا مسؤولين.. عن أعمال عصابات التنقيب عن الذهب على الحدود، ولا عن الجريمة البشعة والمؤسفة التي وقعت على أبنائنا في الخرطوم؛ بل هم ضحايا الحرب والانقسام، والخراب الاقتصادي في بلدهم.
وواجبنا.. استضافتهم وحمايتهم، والترحيب بهم.. حتى تزول محنتهم ويعودوا لوطنهم سالمين. وإن كان من الطبيعي أن يكون بينهم قلة.. ممن يخالفون القانون، أو يسيئون التصرف؛ فالطبيعي أيضاً أن يكون التعامل – مع هذه الحالات الفردية – بالحزم المطلوب مع كل مخالف للقانون، دون أن يعكر ذلك صفو العلاقة بين الشعبين.
فمن يحترمون البلد ونظامه وأهله – وهم الغالبية الساحقة – أهلنا وضيوفنا. ومعاً.. سوف نجتاز المحن والأزمات.
نقلاً عن «المصري اليوم»