د. أحمد يوسف أحمد
في التاسع من الشهر الحالي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. اتفاقاً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بشأن إمدادات (وقود) الديزل؛ انطوى على التوريد الفوري من جانب روسيا.. لأكثر من 300 ألف طن للأسواق الأمريكية والعالمية، ثم توريد 500 ألف طن إضافية في شهر نوفمبر، يليه مليون طن (أو أكثر.. وفقاً لبعض التقديرات) مباشرة بعد ذلك، وذلك بهدف خفض أسعار الوقود (خاصة الديزل) المرتفعة في الولايات المتحدة والعالم، وتحقيق استقرار جزئي في أسواق الطاقة.
وقد أثار إعلان الاتفاق مجموعة من الأسئلة المتوقعة؛ بالنظر إلى السياسات المعروفة لطرفيه.. تجاه قضايا دولية مهمة. أهمها – دون شك – الحرب الأوكرانية-الروسية، والمواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران. فمن ناحية، ينتهك الاتفاق القانون الأمريكي – الصادر عام 2022 – بحظر واردات الطاقة الروسية، ويتعارض مع سياسة تقليص الموارد المالية الروسية.. التي تُستخدم لتمويل الحرب في أوكرانيا. ومن ناحية ثانية، فإن روسيا ترتبط بإيران منذ 2025.. بمعاهدة شراكة استراتيجية شاملة. وبالتالي، يُفترض أن الاتفاق الأخير يقوض الاستراتيجية الإيرانية.. الهادفة إلى الحفاظ على أعلى أسعار ممكنة للطاقة، بما يزيد الضغوط الداخلية على ترامب، ويُعزِّز فرص الصمود الإيراني في المواجهة معه؛ وبالذات.. بعد خسارته المتوقعة لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس. ويثير التأمل في دلالات هذا الاتفاق، مجموعة من الأفكار – أطرحها للنقاش في هذا المقال – حول طبيعة ما يجري من تحولات في النظام الدولي، وبالذات على قمته.
أولى الأفكار.. تتعلق باستمرار السيادة الواضحة للمدرسة الواقعية.. في فهم العلاقات الدولية، وهي المدرسة التي يمكن تلخيصها – رغم تعقيداتها المتشابكة – في أن مفتاح هذا الفهم، يكمن في كلمتين لا ثالث لهما؛ وهما المصلحة، والقوة. فكل القوى الدولية تتحرك لتحقيق مصالحها الوطنية، وتدرك أنها لن تنجح في ذلك.. إلا بتعظيم قوتها إلى أقصى حد تستطيعه. ويُلاحظ أنه حتى عندما كان البعد الأيديولوجي حاضراً بقوة، في حقبة الحرب الباردة، فإن هذا لم يكن بعيداً بحال.. عن التحليل الواقعي للعلاقات الدولية، فنُصْرة الاتحاد السوفيتي – مثلاً – في تلك الحقبة.. للنظم الشيوعية الشبيهة بنظامه، أو حتى النظم ذات التوجهات الوطنية المستقلة المعادية للغرب، يمكن فهمها في إطار حسابات تقوية المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي.. في مواجهة المعسكر الرأسمالي بقيادته الأمريكية.
أما الآن، فقد تراجع البعد الأيديولوجي أصلاً.. بانتهاء التجربة السوفيتية ،والتطورات التي لحقت بتطبيق الماركسية.. في قوة عالمية كالصين، التي نزعت عنها سمة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي، وأكسبت السياسة الصينية الخارجية الصينية.. طابعاً براجماتياً؛ كما تأكد في الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني للولايات المتحدة. وهكذا تجردت تصرفات القوى الكبرى من أي غطاء.. سوى ذلك المتعلق بالمصلحة. والجديد في حالة الاتفاق الأمريكي-الروسي الأخير، أن مفهوم المصلحة.. أصبح مباشراً، بحيث لا يراعي – بالضرورة – مصالح الحلفاء والأصدقاء؛ فلا ترامب اهتم بأن الاتفاق يمكن أن يضر بحلفائه الأوروبيين.. في مواجهتهم مع روسيا بشأن مستقبل أوكرانيا. ولا بوتين اهتم بالتأثير السلبي للاتفاق.. على استراتيجية شريكته الاستراتيجية إيران. وإن حاول إظهار اهتمامه بالوساطة بينها وبين الولايات المتحدة، بنقل رؤيتها للتسوية لترامب.. بالتنسيق مع الرئيس الإيراني.
وترتبط الفكرة الثانية.. بمفهوم «حدود القوة»؛ ذلك أن البعض يتصور أن القوة قادرة دوماً.. على حسم الصراعات، بحيث يكون الأقوى.. هو القادر على تحقيق النصر. وليس هذا صحيحاً دائماً.. بالضرورة، بل قد يجوز لنا أن نقول إن الحسم العسكري للصراعات، يمثل الاستثناء وليس القاعدة. والأكثر أهمية، أن الطرف الأضعف – بحسابات القوة التقليدية – هو الذي ينتصر؛ كما حدث في فيتنام منتصف سبعينيات القرن الماضي.. بعد حرب استمرت قرابة 20 عاماً. وإذا قيل إن الفضل يرجع لوقوف الصين والاتحاد السوفيتي.. خلف الڤيت كونج، فقد تكرر السيناريو بحذافيره في أفغانستان.. التي غزتها الولايات المتحدة وأسقطت نظامها في 2001، وبقيت قواتها هناك 20 سنة أيضاً.. لتنسحب في 2021، وتعود طالبان إلى السلطة، وتبقى فيها حتى الآن.
ولا تفسير لهذا الاتفاق.. بعيداً عن فكرة حدود القوة؛ فترامب رغم تفوقه الكاسح مع حليفته إسرائيل، لا يستطيع – حتى الآن – حسم المواجهة ضد إيران. ونفس الأمر بالنسبة لبوتين.. في حربه ضد أوكرانيا. وهو ما يُفسر تغيير كل منهما لسياسته؛ ترامب بمخالفة سياسته الخاصة بالعقوبات على روسيا. وبوتين بالتصرف على نحو لا يتسق مع «الشراكة الاستراتيجية» مع إيران؛ على نحو يُذكرني بالطبيب الذي يكتب لمريضه دواءً، وهو يعلم أن هذا الدواء – وإن عالج العرض الذي يشكو منه المريض – إلا أنه سيسبب له أعراضاً (جانبية) أخرى خطيرة.
أما الفكرة الثالثة.. فتدور حول طبيعة التحولات الجارية، على قمة النظام الدولي، التي يتضح منها – بجلاء – أن ثمة صعوداً لقطبين جديدين.. إلى جوار الولايات المتحدة؛ هما الصين وروسيا. وكنت قد كتبت على هذه الصفحة مقالين (في 4 و11 ديسمبر الماضي) بعنوان «التعددية القطبية بين العالمية والإقليمية». خلصت منهما.. إلى أن تأثير التعددية القطبية البازغة، لايزال محصوراً في المصالح المباشرة للقطبين الصيني والروسي؛ أي في قضية أوكرانيا بالنسبة لروسيا، وتايوان بالنسبة للصين.. مثلاً. واستندت في هذا، إلى تسليم روسيا والصين بانفراد الولايات المتحدة بالملف الفلسطيني.. بعد «طوفان الأقصى»، وتغاضي روسيا عن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
وبعد ثلاثة أسابيع من نشر المقال، اكتملت الحلقة.. باختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي وزوجته في 3 يناير 2026. وكان تفسيري لهذه التطور.. أن القوة الصينية والروسية لم تصل بعد إلى مستوى تحدي الولايات المتحدة، فيما تتبعه من سياسات في أقاليم العالم. لكن الاتفاق الأمريكي-الروسي الأخير، يثير فكرة أن المسألة.. ليست مجرد نقص في القوة، وإنما تمتد للاستعداد للتفاهم والتنسيق مع الولايات المتحدة، حتى ولو كان ذلك في قضايا حيوية بالنسبة لهما، وهو ما يطرح للنقاش مجدداً.. طبيعة التحولات على القمة الدولية.
نقلاً عن «الأهرام»