تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

نفرتيتي.. سرقة ملكة مصرية (4)

M.Adam
زاهي حواس

زاهي حواس

يمكن الاعتماد على الدراسة التي قام بها الباحث الألماني رولف كراوس Rolf Krauss.. في إثبات أن رأس الملكة نفرتيتي، خرج من مصر بطريق الغش والخداع؛ فقد أوضح أن لودفيج بورخارت وصف رأس الملكة.. على أنه رأس لأميرة. كما وصف التمثال – المصنوع أساساً من الحجر الجيري – بطريقة توحي بأنه من الجبس. وقد سبق أن أوضحت في المقالات السابقة.. أن رأس نفرتيتي كان موضوعاً بطريقة لا تسمح للمندوب الفرنسي جوستاف لوفيفر – مسؤول قسمة الآثار بين المتحف المصري والبعثة الألمانية – بأن يراه بالصورة الكاملة. وأن بورخارت لم يكن يريد أن يكشف لأحد.. القيمة الحقيقية لهذا التمثال. كما أن الرأس لم يظهر للعالم.. إلا بعد نحو عشر سنوات من اكتشافه، وتهريبه إلى ألمانيا؛ وهو ما أعتقد.. أنه كان بسبب خوف بورخارت من أن يطالب المصريون بعودته إلى مصر فوراً، وهو ما حدث بالفعل.. بمجرد الكشف عن رأس الملكة نفرتيتي في برلين. 

ويستكمل كراوس دراسته؛ مشيراً إلى أن جوتربوك حاول أن يقدم وصفاً لكيفية عرض التمثال، وأن الرأس كان موجوداً داخل المكان، ولم يره مندوب مصلحة الآثار.. بالشكل الذي يسمح له بتقدير أهميته، ويقول كراوس.. إن الرسائل والمذكرات المرتبطة بعائلة جوتربوك، توضح السبب الذي جعل بورخارت يتعامل بهذه الطريقة مع لوفيفر.

وهناك تفسير آخر قدمه الكاتب إرنست فيدر Ernst Feder – الذي كان يعيش في برلين، وكان على معرفة بعدم شرعية وجود رأس نفرتيتي – فقد ذكر في مذكراته بتاريخ 24 فبراير 1930، أنه عندما أصبحت قضية إعادة رأس نفرتيتي إلى مصر مطروحة بقوة، دخل مع عدد من المسؤولين في مناقشات.. حول إمكانية إعادة الرأس. وكان هناك اتجاه لإعادة الرأس بالفعل، ولكن كان لا بد من الحصول على موافقة رئيس الوزراء البروسي، لا سيما أن الأمر يتعلق بقطعة موجودة في أحد متاحف الدولة. 

لقد استغل بورخارت أن المندوب لوفيفر.. كان يقوم بتقسيم القطع، وأن هناك اتفاقاً يتعلق بالقطع المصنوعة من الجبس. وعلى هذا الأساس، قام بورخارت بوضع الرأس ضمن مجموعة القطع.. التي قُدمت باعتبارها مصنوعة من الجبس. ولكن الحقيقة أن الرأس ليس مصنوعاً من الجبس، وإنما من الحجر الجيري.. المغطى بطبقة رقيقة من الجبس. وعلى الرغم من وجود طبقات من الجبس على بعض الأجزاء، فإن جوهر التمثال ومادته الأساسية من الحجر الجيري. وعند جمع المعلومات المتاحة معاً، يبدو أن بورخارت تعمَّد وصف رأس نفرتيتي.. بطريقة توحي بأنه مصنوع من الجبس، عندما وجد أن لوفيفر سوف يسمح بخروج القطع الجبسية. 

وقد ظهرت معلومات عن عملية القسمة بعد ذلك بسنوات، ونُشرت تفاصيل تتعلق بها، لكن بورخارت كان قد توفي، قبل أن يرد بصورة كاملة.. على الاتهامات التي وُجِّهت إليه، ففي عام 1938 مات بورخارت وانتقلت أسرته بعد ذلك إلى خارج برلين، ولم ترد زوجته بصورة مباشرة على ما نشره فيدر، بل تركت الرد إلى أوتو روبنسون Otto Rubensohn؛ الذي قدَّم وصفاً لبورخارت ولعمله الأثري في مصر. 

وفي خطاب يتعلق بقضية الرأس، حاول روبنسون الدفاع عن بورخارت؛ قائلا: إنه كان يعرف الطريقة الجادة والصحيحة، التي كان يعمل بها أثناء تعاملاته مع الحكومة المصرية، وإنه: لا يستطيع أن يصدق أن بورخارت قام بتزييف الحقائق، أو عرض القطع بطريقة مضللة.. على ممثل مصلحة الآثار. ولكن رولف كراوس – بعد انتهاء دراسته – وصل إلى نتيجة مختلفة؛ وهي أن رأس نفرتيتي خرج من مصر بطريقة غير قانونية، وأن مجموعة من القرائن.. تشير إلى أن التمثال غادر البلاد بالغش والخداع.

ومن أهم النقاط التي أشار إليها، أن هناك احتمالاً بأن بورخارت أخرج الرأس عن طريق الحقائب الدبلوماسية، أو بطريقة أخرى.. لم تتفق مع الإجراءات المعتادة. ولذلك ظهرت المطالب المصرية بعودة نفرتيتي بعد معرفة حقيقة الرأس، كما أن الجمعية الألمانية الشرقية DOQ – التي كانت تشرف على أعمال الحفائر في مصر – كانت على علم بأهمية القضية، وكان واضحاً أن ما حدث يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالقانون. 

وفي عام 1929 أصبحت قضية عودة الرأس إلى مصر مطروحة بجدية، وفي عام 1930 تم التوصل إلى اتفاق لتبادل رأس نفرتيتي.. مع قطع أثرية مصرية مهمة. ولكن الاتفاق لم يُنفذ، واستمرت القضية بعد ذلك سنوات طويلة. 

وعندما عدت إلى ملف نفرتيتي عام 2009، قمت بمخاطبة مدير متحف برلين، وطلبت منه أن يرسل لنا نسخة من بروتوكول القسمة الخاص بمكتشفات العمارنة. وكان الرد أن البروتوكول لم يعد موجوداً، وأن من المحتمل أن يكون قد فُقد أثناء الحرب العالمية، ولكنني كنت أعرف أن بعض الباحثين.. سبق أن شاهدوا هذا البروتوكول، ولذلك ظللت أبحث عن نسخة منه. وعرفت بعد ذلك من خلال الدكتور جان – رئيس الجمعية البروسية للتراث الثقافي – أن البروتوكول موجود بالفعل، وطلبت منه أن يرسل إلى مصر صورة من البروتوكول، وبدأت اتصالات جديدة من أجل الحصول عليه، وقد كانت هناك – في ذلك الوقت – أصوات ألمانية.. غير مؤيدة لإعادة الرأس إلى مصر؛ وظهرت تصريحات.. تقول إن إرسال نفرتيتي إلى مصر – حتى على سبيل الإعارة – قد يؤدي إلى مظاهرات.. تطالب بعدم إعادته مرة أخرى إلى ألمانيا، وقيل أيضاً إن من الممكن إعارة الرأس لمصر لمدة ثلاثة أشهر فقط؛ لكي يُعرض في معرض مصري، ولكن المشروع لم يتم. وقلت للجانب الألماني وقتها: إن مصر دولة قانون تحترم اتفاقاتها والتزاماتها، وإنا إذا وقعنا بروتوكولاً أو اتفاقاً رسمياً.. فسوف ننفذه. 

وكان من أغرب ما قيل.. ضد إرسال الرأس إلى مصر، أن نفرتيتي قطعة شديدة الحساسية، وأنها قد لا تتحمل عملية النقل. وبعد ذلك بفترة وجدنا أن المتحف نفسه قام بتحريك الرأس داخل برلين؛ بل تم استخدامه في مشروع فني مثير للجدل، حيث جرى نقل التمثال إلى استديو لأحد الفنانين، وجرى تصويره فوق جسم امرأة عارٍ! 

لقد هاجمت هذا التصرف في الصحف العالمية، لأن من غير المقبول، أن يقال إن الرأس لا يستطيع السفر إلى مصر.. بسبب حالته. ثم يتم نقله واستخدامه في مشروع فني.. بهذه الصورة الفجة. 

وأخيراً، لا بد هنا أن أشير إلى الدور الكبير الذي قام به الوزير محمد العرابي.. أثناء عمله سفيرا لمصر في ألمانيا. فقد استطاع أن يحقق العديد من النتائج المهمة، في إطار الحملة التي قمنا بها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة