عبدالله عبدالسلام
تمارس إسرائيل العدوان والغطرسة.. في غزة ولبنان وسوريا. لكن تبقى الضفة الغربية المحتلة.. هي حرب إسرائيل الحقيقية، التي تستهدف من خلالها حسم الصراع، وتصفية القضية الفلسطينية؛ فالسيطرة على الضفة ليست مجرد رغبة توسعية، بل ركيزة أساسية في الفكر القومي الصهيوني. وشنت إسرائيل عدواناً همجياً على غزة؛ راح ضحيته ما يقارب 75 ألف شهيد، ومئات آلاف الجرحى، وهي الآن تسيطر على 70% من القطاع، إلا أنها لا تتحدث عن أطماع تاريخية ودينية في غزة، وإسرائيل تواصل اعتداءاتها شبه اليومية على جنوب لبنان، ومن حين لآخر على سوريا، ومع ذلك تبقى الضفة الهدف الأسمى للكيان الصهيوني؛ فالحديث عن الضم والاستيطان، وتهجير الفلسطينيين.. لم يعد مجرد ادعاءات بل واقع فعلي.
يتواجد في الضفة نصف مليون مستوطن يهودي، يعتبرهم غالبية الإسرائيليين.. الطليعة التي تعيش وسط «الخطر»؛ لإقامة إسرائيل الكبرى.
هؤلاء «الغزاة».. يحولون حياة الفلسطينيين إلى جحيم؛ يستولون بالقوة على الأراضي، ويصادرون ضرورات الحياة.. كالكهرباء والمياه. ويتم ذلك بدعم من جيش الاحتلال، والحكومة الإسرائيلية. وقد تصدر بيانات إدانة لفظية.. لبعض جرائم هؤلاء المستوطنين، لكن الواقع يقول.. إن المستوطنين على رأس أولويات حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة. وقد يهاجمهم سياسيون في المعارضة، لكن مسألة ضم الضفة الغربية لإسرائيل.. تحظى بما يشبه الإجماع الإسرائيلي؛ فاليمين المتطرف يطالب بالضم الفعلي.. ويعمل على ذلك. والمعارضة المعتدلة.. تؤيد السيطرة على أجزاء كبيرة من الضفة، لا سيما المنطقة «ج».. الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية طبقاً لاتفاقيات أوسلو. وهذه المنطقة تشكل 60% من مساحة الضفة، وتتركز فيها المستوطنات اليهودية.
تعتبر حكومة نتنياهو وجود ترامب في رئاسة أمريكا.. فرصة لا تُعوَّض، فيما يتعلق بضم الضفة فعلياً؛ فالإدارة الأمريكية لا توافق على الضم الرسمي، لكنها لا تفرض قيوداً على التوسع الاستيطاني، ولا صوت لها.. فيما يتعلق بالمداهمات العسكرية وهدم المنازل. والسفير الأمريكي لدى إسرائيل (هاكابي).. أكثر تطرفاً فيما يتعلق بضم الضفة، وتشجيع بناء المستوطنات.. من سياسيين إسرائيليين. وهو يعتبر الجرائم التي يرتكبها المستوطنون.. ضد 3 ملايين فلسطيني، يعيشون بالضفة.. مجرد حالات فردية، بينما الواقع يقول إن هذه الجرائم، تحظى بدعم جنود الاحتلال، وتغطية وزراء الحكومة، وصمت واشنطن.
ما يحدث في الضفة.. يحظى باهتمام إعلامي غربي؛ فالصحف الكبرى تنشر تحقيقات ميدانية.. عن جرائم المستوطنين؛ وقبل أيام، نشرت «نيويورك تايمز» تقريراً مطولاً.. فضحت فيه الصمت الأمريكي على ما يجري بالضفة. أما في العالم العربي، فإن الاهتمام بالقضية الفلسطينية يظهر فقط.. إذا كان هناك عدوان إسرائيلي، أما ما يجري بالضفة.. من تغيير جذري في الجغرافيا، فليس خبراً يستحق التركيز عليه، وآلاف الفلسطينيين – الذين أُجبروا على ترك منازلهم، بل مغادرة الضفة – ليسوا على أجندة الإعلام العربي.
هذا التراجع.. ناتج عن تضاؤل اهتمام الحكومات العربية بالملف الفلسطيني، بعد توقف القتال في غزة. وهناك قضايا أخرى؛ كالحرب على إيران، ومضيق هرمز، واليمن. مع أن التأثير الطويل المدى.. لما يجري في الضفة، ربما كان أخطر من تلك القضايا.
… إسرائيل الكبرى تتحقق على الأرض، والعرب لا يبالون.
نقلاً عن «المصري اليوم»