نبيل عبدالفتاح
التطورات المتلاحقة، وفائقة السرعة.. للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتبلور قدراته الذاتية، ستؤدي – في كافة التقديرات – إلى عدم القدرة على السيطرة على الفعل التوليدي الذاتي.. إذا جاز التعبير. وبقطع النظر عن مدى إمكانية السيطرة عليه، أو إبطاء عمليات تطويره، أو الاستمرار فيها.. فإن الصراعات الدولية على معامل اختبارات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، قد لا تحول دون مآلات خطرة.. على جميع مجالات الحياة، والوجود الإنساني.. في مرحلة ما بعد الإنسانية، التي بدأت تلوح في الأفق؛ وفق تقديرات كبار الخبراء لدى الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية الكونية.
والأهم، أن هذا التحول.. سوف يعصف بتراث ضخم من الفلسفات والنظريات والمفاهيم والمصطلحات في مجال العلوم الإنسانية، بل وبعض الطبيعية. ومن هنا، انعكاسات هذا التحول على نظرياتنا ومفاهيم مثل الدولة والسيادة والنخبة السياسية والطبقة والنظام السياسي والقومية، وغيرها من التي استمدت من تحليل المجتمع الإنساني، وفي مجالات السياسة والاقتصاد والعمل والعلاقات الاجتماعية، والعلاقة مع الآلة. ومن هنا تبدو بعض مظاهر التمردات العرقية والقومية في أوروبا والولايات المتحدة.. ردود أفعال نكوصية على تطورات باتت تشكل رُهاباً/فوبيا كونية.. لدى قطاعات داخل هذه المجتمعات الأكثر تقدماً.
وفي المنطقة العربية – المضطربة عسراً ويسراً – مع الحرب على غزة وإيران، ومنها على بعض دول الخليج النفطية والأردن، تبدو حالة من التَّوَهان، وبعضٌ من اللايقين، والاضطراب في التعامل مع خيارات سياسية.. ثبت فشلها وعجزها عن حماية هذه البلدان من الهجمات الإيرانية. وأحد أبرز مظاهر هذه الهشاشة السياسية.. أن عديداً من المفاهيم حول الدولة والسيادة والمواطنة والتكامل الوطني، مع مفاهيم الأمة.. بدت – ولاتزال – لم تستكمل شرائطها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وحتى مفهوم الوطنية – الذي ساد مع دولة ما بعد الاستعمار – لم يستكمل مقوماته.. في مجتمعات انقسامية، باتت تتفكك مع الحروب الأهلية والهوياتية، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا سيما في المشرق العربي.
ومن أبرز معالم أزمات مفهوم الوطنية في العالم العربي.. تفاقم أزمة الانتماء الوطني.. مع الحروب الأهلية في السودان وليبيا وسوريا والعراق واليمن، وتفجر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في تونس والجزائر والمغرب ولبنان والعراق.
إذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي، وثورات جيل (Z) على التعامل الذكي معها.. هما وراء استخدامها في دفع عشرات الآلاف من الشباب واليافعين والقُصَّر والأطفال إلى الهجرة إلى سبتة، فإن هناك عشرات الملايين في بلدان العسر العربية.. تود الهجرة حال توافر ظروف ملائمة إلى شمال المتوسط وأمريكا الشمالية، بل إلى بعض بلدان اليسر النفطية.. التي لم تعد بحاجة إلى أعداد كبيرة من العمالة من دول العسر العربية. والسعي إلى الهروب من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتخم والمثقل بالمشكلات واللا أمل.. هو أحد محفزات السعي وراء حلول خلاصية فردية وجماعية؛ في محاولات الهجرة إلى الشمال الأكثر تقدماً. ولم يعد مفهوم الوطنية والانتماء الوطني، ومقاومة الاستعمار، والاستقلال الوطني، والتنمية المستقلة، وسياسة الأمل.. هي المسيطرة على عقول الأجيال Y وZ؛ كما كان الأمر مع أجيال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
ولم يعد التعليم أحد آليات الحراك الاجتماعي لأعلى.. مع تردي مستوياته. وتؤدي غالب مخرجاته – لا سيما في مجال العلوم الاجتماعية – إلى البطالة؛ لأن التعليم لا يواكب اقتصاديات السوق، وتطورات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ ومن ثم اصطدام جيل Y وZ وألفا وبيتا – الذين سيُظهرون توجهاتهم في المستقبل القريب – بحوائط وسياجات.. صودر فيها الأمل والمستقبل سلفاً. ومن هنا لم يعد مفهوم الوطنية والانتماء حاضراً بقوة.. كما كان في سنوات التحرر الوطني. وأزمات الانتماء الوطني، وراءها ثقافة الاستهلاك المفرط والمكثف.. التي سادت مع السياسات النيوليبرالية، والاستيراد من الخارج، وغياب التطور الصناعي وتطوراته.. مع الثورتين الصناعيتين الثالثة والرابعة، والميل إلى الصناعات الاستهلاكية.. في ظل تفاقم – واتساع – الفجوات الاجتماعية بين القلة من السراة عند قمة النظام الاجتماعي في كل بلد من بلدان العسر، وبين الطبقات الفقيرة من العمال والفلاحين، وتآكل وتفكك الطبقة الوسطى.. بشرائحها المختلفة، وسقوط بعضها لأسفل.
شيوع وهيمنة ثقافة العقل العقاري والريعي.. أدت إلى تبدد مدخرات بعض من هاجروا للنفط، ولم تُستخدم في أنشطة اقتصادية وإنتاجية، وإنما إلى مجال العقارات، والحياة في عزلة المجتمعات المعزولة الجديدة -الكومباوند – أو شراء شاليهات على المتوسط أو البحر الأحمر، وهو ما خلق فجوات بين هؤلاء وبين الأغلبية الساحقة من أبناء شعبهم، وزاد من ثقافة الاتكالية على الريع والاستهلاك المفرط، وهو ما ضخم التمايزات الطبقية.. أمام أجيال لا يجد بعضهم فرصاً للعمل، ويدورون في مدار البطالة والاقتصاد اللارسمي.
أدت الرأسمالية النيوليبرالية الرقمية – وتطبيقاتها – في دول العسر، إلى تراجُع مفهوم الوعي والصراع الطبقي.. إلى الصراعات الجيلية، وإلى الوعي الفردي المشوَّه، والمصلحة الخاصة، والوعي الذاتي المنحط، وتراجع مفهوم المصلحة العامة والوطنية.. ومن ثم ساد الولع بالاستهلاك والحصول على المال، أياً كانت طرائق الوصول إليه. وأثرت الثورة الرقمية على انفجار حالات هوسية.. من الكتل الرقمية الغفيرة، وبعض المجموعات.. التي تدافع عن هوياتها المتخيلة، أو ديانتها ومذاهبها، في مواجهة المكونات الأخرى.. على نحو فاقم من الانقسامات الهوياتية.
إن حالة تراجع وتفكك الانتماء الوطني في العالم العربي، مرجعها فشل دولة ما بعد الاستقلال، والنخب السياسية الحاكمة، والفجوات الجيلية، وتحولات عالمنا المتحول.
نقلاً عن «الأهرام»