تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

تمويلات بأسماء أولياء أمور تفتح ملف «جلوبال براديم».. من أزمة مدرسة إلى تشديد رقابي على سوق التمويل

M.Adam

لم تعد واقعة التمويلات التعليمية المسجلة بأسماء عدد من أولياء أمور طلاب مدرسة «جلوبال براديم» التابعة لإدارة القاهرة الجديدة التعليمية مجرد شكوى من التزامات مالية ظهرت في سجلات عملاء دون علمهم، بل تحولت إلى ملف واسع أمام جهات التحقيق والرقابة، بعدما كشفت أعمال الفحص عن حصول المدرسة على تمويلات بأسماء أولياء أمور لم يتقدموا للحصول عليها، أو يعلموا بإجراءاتها.

ومع اتساع نطاق الواقعة، اتخذت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني قرارًا بوضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، فيما تحركت الهيئة العامة للرقابة المالية لفحص شركة التمويل الاستهلاكي المرتبطة بالواقعة، في مسار رقابي تزامن مع إجراءات لمعالجة الآثار التي لحقت بالسجلات الائتمانية لأولياء الأمور.

وبينما لا تزال المسؤوليات النهائية قيد التحقيق، كشفت الواقعة في الوقت نفسه عن ثغرات في آليات التحقق من هوية العملاء، دفعت الهيئة العامة للرقابة المالية إلى تشديد إجراءات «اعرف عميلك» والتحقق من أن صاحب الاسم الوارد في عقد التمويل هو بالفعل الشخص الذي تقدم بطلب التمويل ووافق عليه.

البداية.. مديونيات تظهر من حيث لا يعلم أصحابها

بدأت القصة عندما فوجئ عدد من أولياء الأمور بوجود التزامات وتمويلات مسجلة بأسمائهم في سجلاتهم الائتمانية، رغم تأكيدهم أنهم لم يتقدموا بطلبات للحصول عليها.

ومن بين الحالات التي ظهرت في إطار الواقعة تمويل تقترب قيمته من 700 ألف جنيه سُجل باسم أحد العملاء، رغم عدم تقدمه للحصول عليه، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مصدر طلبات التمويل، وكيفية استخدام بيانات أولياء الأمور، والآليات التي سمحت بإبرام عقود مالية بأسمائهم دون علمهم.

لم تكن المشكلة، إذن، في قيمة التمويلات وحدها، وإنما في الأثر الذي يمكن أن يترتب على تسجيل مديونية باسم شخص لم يطلبها أصلًا؛ إذ يمكن لمثل هذه الالتزامات أن تنعكس على ملفه الائتماني ودرجة تقييمه الائتماني «I-Score»، بما قد يؤثر في قدرته على الحصول على تمويلات مستقبلية.

319 مليون جنيه.. أرقام تكشف اتساع الواقعة

تكشف بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن الواقعة لم تكن محدودة بعدد قليل من الحالات، إذ بلغ إجمالي التمويلات المرتبطة بها نحو 319 مليون جنيه، موزعة على 619 عميلًا من خلال 839 عقدًا تمويليًا.

ويفسر ارتفاع عدد العقود عن عدد العملاء إمكانية حصول العميل الواحد على أكثر من عقد تمويلي، وهو ما يعكس اتساع نطاق الملف وحجم العمليات التي تخضع للفحص.

وهنا تنتقل القضية من مجرد شكاوى فردية إلى واقعة ذات أبعاد رقابية أوسع، خصوصًا مع ارتباطها باستخدام بيانات عملاء في إبرام تعاقدات مالية دون علم أصحابها، وفق ما كشفته أعمال الفحص.

كيف تحولت بيانات أولياء الأمور إلى تمويلات؟

بحسب نتائج الفحص التي أعلنتها الهيئة العامة للرقابة المالية، كانت المدرسة تتقدم إلى شركة التمويل الاستهلاكي بطلبات تمويل بأسماء عدد من أولياء الأمور، فيما تحصل شركة التمويل على التمويلات لصالح المدرسة، على أن تقوم المدرسة بتسليم تلك التمويلات إلى أولياء الأمور.

لكن المفارقة الأساسية ظهرت في أن أصحاب الأسماء الواردة في طلبات التمويل لم يكونوا على علم بإجراءات الحصول عليها.

وبالتالي، ظهرت مديونيات في ملفاتهم الائتمانية رغم عدم تقدمهم للحصول على تلك التمويلات، وهو ما انعكس على سجلاتهم ودرجات تقييمهم الائتماني.

وتثير هذه الآلية سؤالًا محوريًا: كيف يمكن إتمام تمويل باسم عميل دون أن يكون هو الطرف الذي تقدم بالطلب أو وافق عليه؟

الإجابة الرقابية بدأت من نقطة أساسية في إجراءات منح التمويل، هي آلية التحقق من هوية العميل.

«العناية الواجبة».. الحلقة التي دخلت منها المخالفة

كشفت أعمال الفحص عن نقطة رئيسية تتعلق بالعقد المبرم بين المدرسة وشركة التمويل الاستهلاكي، إذ تضمن العقد قيام المدرسة بإجراءات «العناية الواجبة» والتعرف على العميل.

لكن الهيئة العامة للرقابة المالية اعتبرت هذا الإجراء مخالفًا للقواعد والقرارات المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي، التي تلزم شركة التمويل نفسها بالتحقق من هوية العميل والتأكد من أن الشخص الذي يحمل اسمه عقد التمويل هو ذاته صاحب الطلب والموافق عليه.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الواقعة: وجود بطاقة هوية أو مستندات أو بيانات صحيحة لا يعني بالضرورة أن عملية التمويل تمت بصورة سليمة، ما لم تقترن تلك البيانات بآلية تحقق فعالة تثبت أن صاحبها هو بالفعل من طلب التمويل ووافق عليه.

فالبيانات الشخصية، التي كان يفترض أن تكون وسيلة لحماية العميل وتوثيق معاملته، تحولت في هذه الواقعة إلى مدخل لتسجيل التزامات مالية على أشخاص يقولون إنهم لم يعلموا بها.

الرقابة المالية كانت تتحرك قبل اتساع الأزمة

ولم تبدأ التحركات الرقابية بعد انتشار الواقعة فقط، إذ كانت الهيئة العامة للرقابة المالية قد شرعت في إجراءات الفحص والتفتيش على شركة التمويل الاستهلاكي المرتبطة بالملف.

وتابعت وحدة الرصد التابعة للهيئة التطورات، قبل أن تنتقل لجنة تفتيش موسعة إلى مقر الشركة لمراجعة العمليات محل الفحص.

واستمرت أعمال التفتيش يوم الأربعاء من التاسعة صباحًا حتى الحادية عشرة مساءً، ثم استُكملت يوم الخميس من التاسعة صباحًا حتى العاشرة مساءً.

وشملت أعمال الفحص مراجعة عقود التمويل، والبيانات والمستندات المستخدمة، وآليات التعرف على العملاء، والإجراءات التي اتبعتها شركة التمويل عند منح التمويلات.

«I-Score».. إزالة أثر المديونيات من سجلات المتضررين

ومع ثبوت عدم علم أولياء الأمور بالتمويلات محل الواقعة، تحركت الجهات الرقابية لمعالجة الآثار التي ترتبت عليهم.

وتم حذف المديونيات المرتبطة بهذه التمويلات من الملفات الائتمانية لأولياء الأمور، وإزالة آثارها من درجات التقييم الائتماني «I-Score»، مع استمرار متابعة الملف للتأكد من إزالة جميع التداعيات الناتجة عن التمويلات محل الواقعة.

وبذلك لم تقتصر المعالجة على وقف الالتزام المالي، وإنما امتدت إلى إزالة أثره الائتماني، وهو جانب بالغ الأهمية بالنسبة للمتضررين، لأن تسجيل مديونية غير مستحقة يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز قيمة التمويل ذاته.

المدرسة: مراجعة داخلية وفسخ التعاقد

ومن جانبها، أعلنت المدرسة إجراء مراجعة داخلية للإجراءات التي تمت مع شركة التمويل، وقالت إن المراجعة خلصت إلى عدم توافق الإجراءات مع ما تم الاتفاق عليه.

وأعلنت المدرسة، في ضوء ذلك، فسخ التعاقد مع شركة التمويل الاستهلاكي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكدة تصحيح الوضع وإلغاء الأعباء التي ظهرت على ملفات أولياء الأمور لدى «I-Score».

كما أكدت عدم وجود التزامات مالية حالية على أولياء الأمور مرتبطة بهذه التعاقدات.

لماذا وضعت «التربية والتعليم» المدرسة تحت الإشراف؟

مع انتقال الواقعة إلى نطاق التحقيقات، وظهور مخالفات تتعلق باستخدام البيانات الشخصية لعدد من أولياء الأمور في الحصول على تمويلات تعليمية لصالح شركة تمويل استهلاكي، تدخلت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.

ووجّه محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بوضع مدرسة «جلوبال براديم» تحت الإشراف المالي والإداري.

ويستهدف القرار، بحسب الوزارة، الحفاظ على استقرار العملية التعليمية وضمان انتظامها، وصون حقوق الطلاب وأولياء الأمور، في ضوء التحقيقات التي تجريها النيابة العامة والجهات المختصة بشأن الواقعة.

ومن المهم هنا التمييز بين المسارين: فقرار وزارة التربية والتعليم يتعلق بوضع المدرسة وإدارتها وضمان استمرار العملية التعليمية وحماية مصالح الطلاب وأولياء الأمور، بينما يظل موقف شركة التمويل الاستهلاكي خاضعًا للفحص والتحقيق والقرارات الرقابية والقانونية التي ستصدر في ضوء النتائج النهائية.

من واقعة محلية إلى تغيير في قواعد سوق التمويل

ربما يكون الأثر الأوسع للواقعة خارج أسوار المدرسة نفسها.

فقد دفعت القضية الهيئة العامة للرقابة المالية إلى تشديد ضوابط التحقق من هوية العملاء في نشاط التمويل الاستهلاكي، بما يقلل فرص استخدام البيانات الشخصية في تسجيل التزامات مالية دون علم أصحابها.

وتتضمن الإجراءات الجديدة ضرورة التحقق من شخصية العميل وملكيته لرقم الهاتف وبطاقة الرقم القومي، سواء تم الحصول على التمويل إلكترونيًا أو من خلال المستندات الورقية.

كما ألزمت الهيئة شركات التمويل التي تعتمد على الإجراءات التقليدية بإضافة وسائل تكنولوجية للتحقق من بيانات العملاء، من بينها إرسال رمز تحقق لمرة واحدة «OTP»، إلى جانب مطابقة بيانات الهاتف وبطاقة الرقم القومي من خلال الجهات المختصة.

ومنحت الهيئة شركات التمويل مهلة شهرين لتوفيق أوضاعها وتطبيق إجراءات التحقق الجديدة.

والهدف المباشر من هذه الإجراءات هو سد الفجوة بين امتلاك بيانات العميل والتحقق من إرادته الفعلية في الحصول على التمويل؛ فلا يكفي أن تكون البيانات صحيحة، وإنما يجب التأكد من أن صاحبها هو الذي تقدم بالطلب ووافق عليه.

ماذا ينتظر شركة التمويل؟

بعد انتهاء أعمال التفتيش، أعدت الهيئة العامة للرقابة المالية مذكرة بنتائج الفحص تمهيدًا لعرضها على لجنة البت والتحقيق لاتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي طرف تثبت مسؤوليته عن المخالفات.

ولا يعني ذلك صدور عقوبة نهائية بحق أي طرف قبل استكمال إجراءات الفحص والتحقيق وتحديد المسؤوليات استنادًا إلى الوقائع والمستندات التي تثبتها الجهات المختصة.

وأكدت الهيئة أنها ستتخذ الإجراءات الرادعة في مواجهة المخالفات التي تثبت، في إطار حماية حقوق العملاء والحفاظ على سلامة سوق التمويل الاستهلاكي.

القصة الأكبر.. حين تتحول المدرسة إلى بوابة للتمويل

تكشف واقعة «جلوبال براديم» عن مسار متدرج بدأ بشكاوى أولياء أمور فوجئوا بمديونيات لا يعرفون عنها شيئًا، ثم تحول إلى فحص رقابي لشركة التمويل الاستهلاكي، وتدخل من وزارة التربية والتعليم لوضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، بالتوازي مع إجراءات لإزالة الآثار الائتمانية عن المتضررين.

لكن القضية في بعدها الأوسع تتجاوز حدود مدرسة أو شركة تمويل.

فهي تطرح سؤالًا يتعلق بأحد أهم أركان سوق التمويل: من يضمن أن الشخص الذي يحمل اسمه العقد هو نفسه من طلب التمويل ووافق عليه؟

وفي هذا المعنى، جاءت الواقعة بمثابة اختبار حقيقي لمنظومة التحقق من العملاء، وأظهرت أن حماية البيانات لا تنفصل عن حماية الائتمان، وأن أي خلل في إجراءات التحقق يمكن أن يحول البيانات الشخصية من أداة لإثبات الهوية إلى مصدر لالتزام مالي لم يطلبه صاحبه.

وبينما تظل المسؤوليات النهائية والعقوبات مرتبطة بما ستسفر عنه التحقيقات، فإن المؤكد أن ملف «جلوبال براديم» تجاوز حدود معالجة مديونيات أولياء الأمور، ليفتح بابًا أوسع أمام إعادة ضبط العلاقة بين المدارس وشركات التمويل، وتشديد الرقابة على سوق التمويل الاستهلاكي، ووضع التحقق من هوية العميل في قلب عملية منح التمويل، لا باعتباره إجراءً شكليًا، وإنما كخط الدفاع الأول عن أموال العملاء وحقوقهم.

شارك هذه المقالة