مصطفى حجازي
ليس في العنوان ثمة خطأ مطبعي.. فالحديث ليس عن سكان القصور أو سكان القبور.. وإن لن يعدما من الحديث نصيباً..!
تحدثت شبكة الإعلام الاستقصائي البريطانية DDN مؤخراً.. عن تفاصيل عملية دولية منسقة، بين شبكات استخباراتية، وكيانات ذكاء اصطناعي، وما بين وزارات، وجماعات رصد ودعاية محلية؛ كل ذلك مَقود بوحدة الاختراق السيبراني «8200».. في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
… عملية الغرض منها إسقاط «زُهران ممداني» – عمدة نيويورك المنتخب أواخر العام الماضي – إبان حملته الانتخابية، ثم بغرض محاصرته بعد نجاحه، والحد من قدراته، والعمل الممنهج على اغتياله معنوياً، وإفشال كافة مساعيه.
والأهم، إحباط النموذج الواعد.. الذي يمثله الشاب زُهران؛ المنبني على الأهلية الثاقبة، والشخصية المتوهجة، التي تستلهم وهجها.. من اتساق مع المبادئ، وصدق مع النفس.
في يونيو الماضي من هذا العام 2026، كشفت ذلك كله.. وكالة «فيجينوم» VIGINUM الفرنسية – التابعة لأمانة الدفاع والأمن الوطني – وهي تلك القائمة بالأساس لرصد ومكافحة حملات التضليل الرقمي، والأخبار المكذوبة، والتدخلات الخارجية.. التي تستهدف زعزعة استقرار الدول.
كشفت «فيجينوم» – في تقرير رسمي لها – عن شبكة دولية للتأثير.. تقودها شركة إسرائيلية وهمية؛ اسمها «بلاك كور»، استخدمت فيضاً سيبرانياً من الحسابات المزيفة، قادت به حملة تشهير ممنهجة ضد الشاب زُهران إبان ترشحه عام 2025، وتلقَّف ذلك الجهد على الأرض.. ما يسمى «رابطة مناهضة التشهير» «ADL» – وهي منظمة يهودية غير حكومية، هدفها المعلن مكافحة معاداة اليهود والسامية.. لتقود حملة اغتيال معنوي ضد النجم السياسي الواعد، وما يمثله من بقعة نقاء.. في مستنقع السياسة الأمريكي.
وبرغم كل تلك الجهود الآثمة.. وبرغم الأموال التي أُريقت لهذا الغرض، ينجح زهران بإرادة ناخبين بسطاء.. ولكن واعين، يملكون قرارهم، ويملكون مدينتهم قبل ذلك. في إطار قواعد لعبة سياسية – وإن يعتريها النقص البشري، وتتقاذفها الأهواء والمصالح – لا يُقمَع السياسي المهاجر ولا يُقصَى، بل يستند إلى الشرعية المقدسة، وهي حرية أبناء مدينته.. في اختيار من يحكمهم.
والأنكى، أن يخرج زُهران.. ليعلن أنه سيتم اعتقال بنيامين نتنياهو، إن هو وطئت قدماه نيويورك؛ لأن نتنياهو – ببساطة – مجرم حرب، مطلوب أمام العدالة الدولية. ويعلن ذلك بكل ثقته، رغم علمه اليقيني بأن مفوضة شرطة نيويورك الحالية – التي تخدم تحت إمرته.. «جيسيكا تيش»، يهودية ابنة الملياردير الأمريكي اليهودي «جيمس تيش» – داعمة إسرائيل بكل جوارحها.
وإن تندَّر بعض يهود نيويورك على استحالة اعتقال نتنياهو.. طالما بقيت يهودية على رأس الشرطة، ورغم كل الدعايات الجوفاء، يبقى الأمر في حقيقته.. مرتهناً بنفاذ القانون وولايته على الجميع. ويتجنب السفاح نتنياهو.. أن تطأ قدمه نيويورك، خوفاً من مغبة الاعتقال.
على صفحة أخرى.. في كتاب السياسة الأمريكية، يبزغ مؤخراً نجم الطبيب عبد الرحمن السيد – «عبدول» – الذي انتزع ترشح الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ الأولية.. عن ولاية ميشيجان. يملك الطبيب الشاب.. قدرة سياسية بارعة على مخاطبة ناخبيه، وعلى محاورة الإعلام بوعي وإقدام لافتين؛ فهو – وفقاً لتقارير إعلامية – لم يخسر محاورة إعلامية واحدة، ولديه الحنكة على تحويل دفة كل هجوم إعلامي عليه.. إلى فخ إعلامي لمحاوريه.
لم يسلم «عبدول» – كما يُدعى اختصاراً في الخطاب الأمريكي – من هجوم من «دونالد ترامب»، استخدم فيه الرئيس الأرعن.. كل أسلحته في الوقاحة والعنصرية، بل والسب المباشر.. كما عهدناه في مقارعة الخصوم.
اللافت أنه – وفي المقابل – لم يسلم «ترامب» من أن يُرَد له الصاع صاعين من «عبدول».. ابن المهاجر المصري، سليل العائلة البسيطة؛ الذي وعى وتعلم.. كابن للمجتمع الأمريكي والأمة الأمريكية – بوتقة المهاجرين – حقوقه في حرية التفكير والتعبير والحركة.. تعلم حرية الحلم، ومارس حرية التحقق.
وبقدر ما يهاجم «ترامب» الشاب عبد الرحمن، وقبله الشاب زُهران.. وبقدر ما يجري من لغو على مسارح السياسة، بقدر ما يمارس الناخب والسياسي الأمريكي – أياً كانت مشاربه – حريته في الفكر والتعبير والاختيار والنقد.. في انتخابات نزيهة، تضمن ولايته على مصيره وحكم بلاده، بقدر ما نسمع في عالمنا العربي المنهك البائس.. من تُرَّهَات القشور!
… فمن مُنشَغِلٍ بأن «زهران» شيعي، أو أن «عبدول» إسلامي. ومن مُنبَهرٍ بقدرات التآمر والاختراق الإسرائيلية.
ومن مُدَّعٍ للوطنية والغيرة، يستنكف مما قاله «عبد الرحمن السيد».. مادحاً ما أعطاه المجتمع الأمريكي من فرصة للتحقق، مقابل مآلٍ بائس.. كان ينتظره إن هو بقي في مجتمعات لا تأبه بمواطنيها.
لم يَرَ سكان القشور هؤلاء.. مجتمع استوعب أبناءه – مهاجرون كانوا أو غير مهاجرين – بعدل الإتاحة؛ حتى تحققوا ونبغوا.
لم يرَ هؤلاء مجتمعاً – لا يعدم تاريخاً من العنصرية البغيضة – يعرف أن نجاته، وقوة شوكة دولته، وديمومة هيمنة حضارته، تكون بأن يولي الأمر أهله.. دونما النظر إلى لون أو دين أو عرق.
لم يروا أمة.. وعت أن السياسة ضرورة حياة، وإطار ضامن لبقاء حيوية المجتمع. وأن تداول السلطة – باختيار حر – هو الأبقى لسلام المجتمع وسكينته؛ مهما تضاربت المصالح والآراء. وأن الالتزام بقواعد اللعبة السياسية، أسلم من هدمها.. مهما دُبِّج ذلك بدعاوى الضرورة، ودرء المؤامرة، وإنقاذ البلاد.
لم يرَ هؤلاء أن للقانون سيف بتار، يخشاه – ويراوغه – سفاح مثل نتنياهو.. حتى وإن ملأ الدنيا ضجيجاً بغير ذلك.
لم يرَ هؤلاء، أن جُلَّ ما استطاع أن يفعله ترامب – الأرعن – في حق خصوم سياسيين يكرههم، بل ويراهم أدنى منه عِرقاً، أن يحاول فقط الحد من صعودهم، أن ينافسهم على مَلأ.. لا أن يقتلعهم من الحياة اقتلاعاً؛ لأنه إن فعل.. اقتلع قواعد ثبات بلاده وقدرتها.
فهم «ترامب» وأمثاله كل ذلك.. واستغلق ذلك على سكان القشور!!
نقلاً عن «المصري اليوم»