د. أحمد زكريا الشلق
كنت قد كتبت هنا بالأهرام بين شهري مارس ومايو من عام 2025 مقالات عن هوية مصر.. في سياقها التاريخي، مركزاً على ما قدمه المؤرخون والكتاب بشأن هذا الموضوع، واليوم وأنا أراجع كتاب « تراث محمد شفيق غربال» – الذي جمعه الصديق الدكتور حسام عبدالظاهر في عدة أجزاء، ونشره في عام 2018 بمركز تاريخ مصر المعاصر، وهو أحد مراكز هيئة دار الكتب والوثائق القومية – وجدت أن ما كتبه شفيق غربال عن «تكوين مصر».. يحتاج منا وقفة، لأنه قدم إسهاماً متميزاً بشأن مسألة الهوية.
وأنه اتخذ للحديث الأول عنواناً لافتاً، هو «مصر هبة المصريين» ليصحح بها مقولة «هيرودوت» أبو التاريخ، التي ذكر فيها أن «مصر هبة النيل»، وذكر غربال أنه لا يقصد معارضة القول المشهور لهيرودوت.. حباً في المعارضة، ولكن لتوكيد الناحية أو الزاوية.. التي يعالج منها موضوعه، ذلك أنه أراد أن يؤكد أن عمليات الخلق والنمو والمحافظة.. التي يوجزها في عنوانه «تكوين مصر» ليثبت أن هذا «التكوين» كان من صُنع جماعة من الناس، هم المصريون، لذا جاء عنوان هذا الفصل «مصر هبة المصريين» ، كما أراد أن يؤكد ما في هذا النتاج، نتاج هذا الخلق ـ مصر ـ من صفات الشخصية والرسوخ والانفراد بالذات، هذا النتاج الذي أثر بدوره في تكوين المصريين.
وقبل أن نمضي مع شفيق غربال في حديثه، يجب أن نوضح أن هذا المؤرخ المصري الكبير، تلميذ المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي، الذي أشرف على دراسته لدرجة الماجستير. وأن غربال ألقى في عام 1957.. مجموعة من الأحاديث أو المحاضرات في برنامج الإذاعة الأوروبي، نُشرت في أصلها الإنجليزي تحت عـنوان The Making of Egypt، ثم ترجمها – بمعاونة صديقه الأستاذ محمد رفعت – ونُشرت في كتاب تحت عنوان « تكوين مصر»، كشف فيها عن عشقه لمصر خلال عصورها جميعاً.. «مصر التي تسمو فوق هامات الحقب والعصور». وقد رصد في أحاديثه تلك موضوعات، منها: كيف نشأت «النواة» التي تكونت منها مصر في بداية أمرها؟ وإلى أي مدى تفاعل مبدأي الاستمرار والتغير في تكوين مادة تاريخها؟.
وهو ما اقتضى منه، أن يسير بمصر عبر عصورها جميعاً.. من تاريخها القديم إلى مصر المسيحية، ثم مصر والإسلام، وأخيراً إلى مصر والغرب في العصر الحديث.
وفي هذا العمل، وضع غربال يده على مفاتيح الشخصية المصرية – سواء من حيث المنهج الذي استخدمه، أو من حيث الموضوعات التي تناولها – تلك الشخصية التي صاغها المصريون منذ بداية تاريخهم الطويل، حين أعادوا صياغة كل الثقافات التي مرت عليهم بما يتلاءم مع تلك الشخصية الحضارية التي أذابت ما تلقته، ومن وفد إليها ولم تذب فيهم.
لقد كان غربال يرى أن «العملية التاريخية».. هي نتاج تفاعل متواصل بين اختيارات واندفاعات وإنجازات «الجموع»، وبين إرادات «أفراد» بعينهم.. يصبحون رموزاً أو قادة أو زعماء وصفوة؛ بفضل إبداعهم أنواعاً جديدة من الحلول للتحديات القائمة أو المستجدة أمام المجتمع.
ويستهدف شفيق غربال – في هذا الكتاب الصغير الحجم، العظيم الفائدة – تأكيد عمليات الخلق والنمو والمحافظة.. التي مرت بمصر .. ومصر هنا لديه لا تعني مصر في عصر معين، بل مصر خلال العصور جميعاً (الزمن) مصر التي نراها دائماً، والتي تسمو فوق هامات الحقب والعصور.
وقد أشار غربال – في البداية – إلى أنه لا يهمه مسألة أصل المصريين وجنسهم، فالمصري كل رجل يصف نفسه بهذا الوصف، ولا يحس بشيء ما يربطه بشعب آخر، ولا يعرف وطناً له غير هذا الوطن، مهما كان أسلافه غرباء عن مصر. ويرى غربال كذلك.. أنه مهما تعددت الأصول، فقد كان هناك طابع «مصري».. تشكَّل في هذه البيئة المصرية، ولا يعني بهذا الطابع السمات الجسمانية، وإنما يعني أن يكون له موقف معين من الحياة.
إن النيل منبع حياتنا، وإن مصر.. ما هي إلا الأراضي الواقعة على ضفتي النهر، ومع ذلك فإن المصريين.. هم الذين أنشأوا وأقاموا مصر، فالنهر يمتد آلاف الأميال، لكن لا نجد على طول مجراه سوى مصر واحدة.
إن هبات النيل.. كهبات الطبيعة؛ طائشة عمياء. إذا تركت دون ضبط، فإنها تدمر كل شيء، وتخلف مستنقعات للأمراض، لكن الإنسان المصري وحده.. هو الذي حوَّل هذه الهبة إلى نعمة لا نقمة.
ولأن هذا ما فعله الإنسان في مصر، لذلك فإن مصر هبة المصريين.
نقلاً عن «الأهرام»