د. أحمد يوسف أحمد
… وأقصد بها نموذج السلوك الإسرائيلي، في مواجهة محاولات تسوية الأوضاع الظالمة.. التي نجمت عن المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
يقوم هذا النموذج.. على أن الظلم الذي لحق بفلسطين وشعبها، يفضي – عندما يتجاوز حدوداً معينة – إلى مبادرة ما.. من قبَل فاعل دولي مؤثر؛ يحاول – من خلالها – التوصل لتسوية؛ لابد وأن تكون متضمنة مكاسب معينة للطرف الفلسطيني، وإن لم تفِ بحقوقه الأصيلة، بل تُسَلِّم للمغتصب بحقوق ليست له. ومع ذلك يتشدد المغتصب في قبول هذه التسوية؛ فإن قبلها.. ماطل وراوغ في تنفيذها، وطَوَّر معاني خاصة به.. لالتزاماته بموجبها، بحيث يواصل تنفيذ مشروعه.. لالتهام كامل فلسطين، متوهماً أنه قادر – بقوته المفرطة، ومغتراً بنجاحاته – على إمكان هزيمة منطق التاريخ.
ينطبق هذا النموذج على سلوك الحركة الصهيونية منذ بدايتها، وإسرائيل منذ نشأتها.. حتى اللحظة الراهنة.
ولنبدأ رحلة «الحلقة المفرغة» من بدايتها. بدأت المأساة في عام1897، عندما أعلن المؤتمر الصهيوني الأول.. هدف تأسيس دولة يهودية في فلسطين، ثم بدأ المشروع الصهيوني يجد طريقه للتنفيذ، بفضل براعة الحركة الصهيونية في كسب دعم القوى الدولية الكبرى. فكان وعد بلفور عام 1917، والانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922.. اللذان أسسا للبنية التحتية لإسرائيل. وأفضى الظلم والعنف – الذي وقع بحق الشعب الفلسطيني – إلى جهود دولية، لإيجاد تسوية تمحورت حول بديلين؛ إما حل دولة واحدة تجمع الفلسطينيين واليهود، أو دولتين.. إحداهما فلسطينية والأخرى يهودية.
ومرة ثانية – وبسبب البراعة الدبلوماسية للحركة الصهيونية – تمكنت من ترجيح حل الدولتين، بعد أن نجحت في خداع القيادة السوفيتية.. التي كانت تمسك بزمام أصوات المجموعة الاشتراكية في شرق أوروبا، بادعاء أن الدولة اليهودية المنتظرة.. ستكون دولة اشتراكية، وليست إقطاعية تابعة للاستعمار.. كالدولة العربية.
وهكذا، جاءت أول محاولة للتسوية.. بصدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو القرار الذي سعت إليه الحركة الصهيونية، وأسست دولتها استناداً إليه، مع أنه لا يحقق هدفها الاستراتيجي.. في التهام كل فلسطين، وذلك لأنها كانت تُخطط لتجاوزه والانقضاض عليه، وهو ما تيسر لها بعد عدوان يونيو 1967، الذي مكنها من احتلال كامل فلسطين.. بما يناقض أساس شرعيتها؛ المبني على قرار التقسيم.. الذي يجعل من القدس – بالمناسبة – كياناً دولياً.
ولأن العدوان ونتائجه.. أوجدا ظلماً جديداً، كان طبيعياً – في ظل التوازن الدولي القائم آنذاك – أن تجرى محاولة لتسوية جديدة، تجسدت في قرار مجلس الأمن رقم 242 (في نوفمبر 1967)، الذي أكد شرعية إسرائيل، ولكنه ألزمها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها بسبب العدوان، وبإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين.
وكالعادة، قبلت إسرائيل القرار في شهر مايو 1968، ولكنها فرغته من مضمونه، فتعللت بغياب أداة التعريف عن كلمة «أراضٍ».. في النسخة الانجليزية، للادعاء أن الأراضي المطلوب الانسحاب منها.. لا تشمل الضفة وغزة؛ باعتبارهما «أراضي محررة»، وأن «اللاجئين» الذين طالب القرار بحل «عادل» لهم.. يشملون من تسميهم باللاجئين اليهود، الذين تدَّعى أنهم طُردوا من البلاد العربية، مع أن الحركة الصهيونية هي التي فعلت المستحيل.. لدفعهم للهجرة من أوطانهم الأصلية.
وبسبب هذا النموذج لسلوكها، كان حتمياً أن يتفجر العنف من جديد.. في شكل حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، ثم حرب أكتوبر 1973.. التي مثلت نقطة الذروة في معادلة الأمن القومي العربي، وأفضت لاحقاً للتحرير الكامل لسيناء.
ولأن إسرائيل تغولت في الضفة وغزة.. استيطاناً وقهراً للفلسطينيين، كان طبيعياً أن تتصاعد المقاومة الفلسطينية.. التي بدأت مع بداية المشروع الصهيوني – وإن لم تتمكن من تحقيق أهدافها.. بسبب الانقسام الفلسطيني، وتراجع الدعم العربي أو غيابه، والظروف الدولية غير المواتية – غير أنها لم تستسلم أبداً، بل لقد أبدع الشعب الفلسطيني في أساليب نضاله؛ فكانت انتفاضة الحجارة.. التي تفجرت في نهاية 1987، وامتدت على مدار 3 سنوات.. لتُجْبِر إسرائيل – في اتفاقية أوسلو 1993 – على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية.. كممثل للشعب الفلسطيني، بعد أن كانت تنكر وجوده أصلاً، وتضع أساساً لمسار للتسوية.. تمت صياغته ببراعة؛ بحيث يُمَكِّن إسرائيل من الاستمرار في نموذج سلوكها المراوغ، فلم تذكر الاتفاقية حرفاً عن الاستيطان أو الدولة الفلسطينية، وإنما تُرِكت الأمور لمفاوضات تُجرى في مرحلة انتقالية مدتها 5 سنوات.. تقترب الآن من ثلث القرن، ناهيك بانقلاب حكومات اليمين الإسرائيلي على الاتفاقية ونتائجها، وبالتالي أصبحت الاتفاقية والعدم سواء.
ومع ركود الموقف، تصاعدت المقاومة في غزة – خاصة بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 – وأجبرت إسرائيل على الانسحاب منها في 2005. لكن حصار غزة.. بعد وصول «حماس» للسلطة فيها، مثَّل وقوداً لاستمرار المقاومة وتصاعدها، حتى كانت عملية «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب إبادة إسرائيلية على البشر والحجر، لكن المقاومة والشعب في غزة أظهرا صموداً أسطورياً، وبعد أن نادى ترامب – في فبراير 2025 – بطرد سكانها، وبناء ريفييرا على أرضهم.. خرج علينا بخطته في سبتمبر الماضي، التي تُرجمت إلى قرار مجلس الأمن 2803، الذي انطوى على وقف لإطلاق النار، ونزع سلاح المقاومة.. في مقابل الانسحاب الإسرائيلي، وتكوين قوة دولية.. تشرف على التنفيذ، مع إشارة غامضة لدولة فلسطينية.
وقد قبلت جميع الأطراف القرار، لكن القبول الإسرائيلي.. سار وفق نموذج «الحلقة المفرغة»؛ فطورت إسرائيل مفهوماً لوقف إطلاق النار.. لا ينطبق عليها، وواصلت القتل والتدمير.. حتى خرج علينا «مجلس السلام» بخطته الأخيرة ذات الـ15، نقطة التي رفضها نتنياهو.
ولذلك، فعندما اجتمع مع كوشنر – مبعوث الرئيس الأمريكي، يوم الإثنين الماضي – اجتماعاً طويلاً، أفاد مكتب نتنياهو.. بأنهما اتفقا على تكوين لجنتين؛ تبحث أولاهما.. في نزع سلاح غزة، دون إشارة بحرف لأي انسحاب. وتبحث الثانية.. في قضايا الصرف الصحي والمياه والصحة.
كانت الدلالة شديدة الوضوح، وهي أن «الحلقة المفرغة».. ما زالت هي النموذج السائد. فمتى يحين أوان كسرها؟
هذا يستحق هذا مقالاً منفصلاً.. إذا سمحت التطورات.
نقلاً عن «الأهرام»