جمال فهمي
رافق العدوان الثنائي الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، جدل محتدم عربياً.. حول تنفيذ الأخيرة ما توعَّدت به قبل انفجار الحرب؛ بأنها ستوسع ردَّها أفقياً.. بحيث يشمل – إلى جانب الكيان الصهيوني – القواعد والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي. وقد هيمن على هذا الجدل شعاران.. يعكسان رؤيتين استراتيجيتين متناقضتين تماماً؛ أولاهما: أن أمن دول الخليج العربي هو شأن أمريكي حصراً. أما الرؤية الثانية: فيؤكد أصحابها.. أن الأمن العربي وحدة واحدة، لا يمكن تجزئته إلى أقطار في الغرب وأخرى في الشرق، وهو بهذا المعنى.. لا بد أن يكون عربياً صرفاً، في خططه ووسائله وأدواته.
يجادل الطرف الأول.. المتحمس للخيار الأمني الأمريكي، بالزعم أن القواعد الأمريكية في دول الخليج العربية، وبغضِّ النظر عن عديد قواتها.. مهما كان صغيراً، هي مرتكز أساسي مهم للأمن الخليجي، وتُعتبر ردعاً فعالاً لأي محاولة للمس بأمن الدول الخليجية، على أساس أن الولايات المتحدة هي الإمبراطورية الأقوى الآن على الكوكب. لكن الطرف الثاني.. المنتصر لعروبة الأمن في دول الخليج، يرد على الطرف الأول بأن أمن هذه الدول.. ظل مستقراً إلى حد كبير حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولم يهدده أو يعكر صفوه أحياناً.. إلا تصرفات عدوانية تشي بالنزعة التوسعية، لنظام حكم الشاه الإيراني السابق، الذي كان مرتبطا بعلاقات تحالف وثيقة وقوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهنا لا بد من التذكير.. بأن احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، تم أيام حكم الشاه المخلوع.
لقد انتشرت القواعد الأمريكية في منطقة الخليج العربي، على نحو سرطاني.. منذ تسعينيات القرن المنصرم، بذريعة الظروف التي سببها غزو العراق للكويت، ثم الحرب الأمريكية ضد العراق. ومن أيامها حتى الآن، لم تنعم المنطقة باستقرار أمني طويل، بل ظلت تشهد توترات أمنية متفاوتة القوة، لكنها كلها كانت من مصدر واحد تقريباً.. هو السياسات الأمريكية؛ لا سيما وهي ممتزجة دائماً.. بعربدات الكيان الصهيوني المتوحشة، ورغبته الدائمة والمعلنة في التوسع والهيمنة، ولا دليل على ذلك.. أقوى من الغارة الهمجية الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة في شهر سبتمبر/أيلول العام الماضي.
أما غزو العراق للكويت، فلم يكن السبيل الوحيد – ولا الصحيح – لإنهائه.. الاستعانة بالقوات الأمريكية، بل كان ممكناً جداً إنهاء هذا الاحتلال عربياً وسلمياً أيضاً، على نحو ما حدث في العام 1961، عندما هدَّد – وشرع فعلا – عبد الكريم، قاسم (رئيس الحكومة العراقية آنذاك)، بإجراءات ضم الكويت، لكن الموقف العربي الموحَّد والصارم – الذي قاده جمال عبد الناصر وقتها – أوقف إجراءات حكومة بغداد، وبقيت الكويت دولة عربية مستقلة.
خلاصة ذلك كله، يقول المنتصرون لعروبة الأمن الخليجي، أن الأقطار العربية الخليجية.. لو احتاجت لصيانة أمنها، إلى قوات عسكرية بحجم تعجز هي عن توفيره – لأسباب مفهومة – فإن تشكيل حلف دفاعي عربي إقليمي (أي مختص بإقليم الخليج وحده)، أو حلف دفاعي عربي عمومي وشامل، ينسجم مع مبادئ أقرها العرب جميعاً في ميثاق جامعة الدول العربية؛ هو أمر ممكن جداً وميسور تماماً.. إذا ما توافرت الإرادة والجدية اللازمة لتحقيقه، لكي يصبح بديلاً عن الاستسهال والإفراط الحالي.. في الاعتماد على قوات وقواعد عسكرية أمريكية، لم تجلب الأمن أبداً، وإنما كانت سبباً مباشراً لتوترات شديدة الخطورة، واعتداءات غير مسبوقة.. على نحو ما يحدث حالياً، وهو ما يدحض بقوة الادعاء بأن الأمريكيين يجلبون الأمن ويوفرون الحماية، إذ العكس تماماً هو الصحيح.
غير أنه بعيداً عن حجج الطرفين، وأيها أكثر إقناعاً وقوة. ومن دون أيضاً الدخول في مقارنات (نظنها محسومة النتائج).. حول من هو الطرف الذي تحظى رؤيته بالشعبية الأكبر لدى الجمهور العربي، سواء في الأقطار الخليجية أو خارجها، فإن هناك ملاحظة شديدة الأهمية.. في سياق هذه القضية، ربما يحجم الكثيرون عن الجهر بها علناً؛ وهي أن بعضاً ممن يؤمنون حقاً بضرورة أن يكون الأمن الخليجي عربياً – في محتواه ووسائله – هؤلاء يشعرون في قرارة أنفسهم.. بأن تحقيق هذا الهدف قد يكون مستحيلاً الآن، بسبب نوع وطبيعة النخب والأنظمة الحاكمة.. في الأغلبية الساحقة من أقطار الأمة، وفي ظل ظروف الحرمان الصارم لمجتمعاتنا العربية.. من أي حقوق ديموقراطية حقيقية، وأهمها التداول السلمي للسلطة، والمشاركة المنظمة في صُنع القرار. وفي ظل هذا الحرمان التليد، تتباعد المسافات كثيراً بين الحكام والمحكومين، وتختلف – وربما تتناقض – الخيارات بين من يحكم ويتحكم في القرار السياسي، وبين جحافل مواطنيه.
هذه الملاحظة الأخيرة، ربما جوهرها يصادف حقيقة قائمة فعلاً، ويكابدها الناس يومياً في واقعنا العربي الراهن، ومع ذلك يبقى خيار الحضور الأمني العربي.. المقنَّن بأصول ومبادئ وقواعد منضبطة، هو خيار ممكن؛ حتى مع بقاء المعطيات والظروف الراهنة. كما أنه الأكثر أماناً والأقل كلفة على كل الصعد، مقارنة بخيار استمرار الوجود العسكري الأمرسكي.. بأكلافه المالية والسياسية والأمنية الثقيلة؛ خصوصاً وقد بدا واضحاً – وضوح الشمس في كبد النهار – أن الأمريكي غير معني بالمرة.. بتوفير الحماية لأقطار العرب في الخليج، وإنما كل ما يعنيه.. هو تأمين وتسهيل حصوله على مطامع إمبريالية صرفة، فضلاً عن توفير الإسناد والدعم الشاملين للكيان الصهيوني العنصري المتوحش، الذي لا يكاد يستر أو يداري أطماعه.. في العدوان والهيمنة والتوسع، ومن ثم يمتد خطره المؤكد.. ليطال كل أصقاع الأمة العربية تقريباً.
نقلاً عن «عروبة 22»