سليم سلمان الوالي
في مقابل التصعيد المتسارع على جبهات مأرب والساحل الغربي والحدود السعودية مع اليمن، تبدو حسابات الجنوب اليمني مختلفة.. وأكثر تعقيدا؛ خصوصا بعد التحولات السياسية والعسكرية، التي شهدتها الساحة الجنوبية خلال الفترة الماضية.
فالقوى الجنوبية لا تنظر بالضرورة إلى أي حرب جديدة مع الحوثيين.. باعتبارها امتدادا تلقائيا للجولات السابقة، ولا يبدو أن هناك استعدادا سياسيا لمنح مشاركة جنوبية مفتوحة.. في أي معركة جديدة، دون تحديد أهدافها وحدودها، وما الذي تعنيه بالنسبة للجنوب وقضيته.
وتعكس المواقف والنقاشات – التي برزت أخيرا داخل الأوساط الجنوبية – جانبا واضحا من هذا المزاج، إذ يتزايد التأكيد على أن الأولوية يجب أن تظل للجنوب ومصالح شعبه، وأن أي معركة تتجاوز حدوده.. لا يمكن التعامل معها باعتبارها التزاما تلقائيا، خصوصا في ضوء تجربة أحداث يناير، وما تركته من آثار سياسية ينبغي ألا تغيب عن الحسابات.
وتكتسب هذه المواقف أهمية أكبر.. مع تزايد الحديث عن احتمال توسع المواجهة العسكرية مع الحوثيين، وما قد يترتب على ذلك من محاولات.. لإعادة ترتيب القوى والجبهات والتحالفات.
الدفاع عن الجنوب شيء.. والحرب في الشمال شيء آخر. هذا التوجه، لا يعني بالضرورة أن القوات الجنوبية.. ستقف خارج أي مواجهة مع الحوثيين.
فهناك فارق واضح بين مواجهة أي محاولة حوثية.. للتقدم نحو شبوة أو الضالع أو لحج ومناطق الجنوب، وبين الدخول في حرب مفتوحة شمالا.. لتحقيق أهداف لا ترتبط مباشرة بأمن الجنوب، أو بقضيته السياسية.
في الحالة الأولى، ستكون المعركة دفاعا عن الأرض، ومن الصعب تصور موقف جنوبي.. يتسامح مع أي محاولة حوثية للعودة عسكريا إلى الجنوب.
أما في الحالة الثانية، فستبرز أسئلة سياسية مختلفة: لماذا تشارك القوات الجنوبية؟ وما الهدف النهائي للمعركة؟ وأين تتوقف؟ وما موقع القضية الجنوبية في ترتيبات اليوم التالي؟
هذه الأسئلة.. أصبحت أكثر حضورا بعد أحداث يناير، وما ترتب عليها من تغيرات في العلاقة بين القوى الجنوبية وشركائها السابقين.
ردود الفعل.. بين التأييد والتحفظ
من الطبيعي أن تثير هذه الرؤية ردود فعل متباينة.
فبالنسبة إلى قطاع من الجنوبيين، تمثل تعبيرا عن ضرورة عدم تكرار تجربة دفع القوات الجنوبية إلى معارك.. بعيدة عن أولويات الجنوب؛ خصوصا إذا لم تكن هناك رؤية سياسية واضحة لما بعد الحرب.
في المقابل، قد ترى أطراف يمنية أخرى، أن الحوثيين يمثلون تهديدا يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن مواجهتهم تحتاج إلى توحيد مختلف القوى العسكرية؛ بما فيها القوات الجنوبية.
لكن هذا الطرح يصطدم اليوم بحقيقة سياسية.. يصعب تجاوزها. فوجود عدو مشترك، لم يعد كافيا وحده.. لتوحيد الأهداف.
فالجنوب خاض سنوات طويلة من الحرب، ودفع ثمنا عسكريا وبشريا كبيرا، ولذلك أصبح السؤال عن المقابل السياسي، والهدف النهائي لأي مشاركة جديدة.. أكثر إلحاحا.
ماذا يعني ذلك لأي حرب مقبلة؟
إذا بقي هذا التوجه – في إطار النقاشات والمواقف السياسية المتفرقة – فقد لا يؤدي إلى تغيير كبير في الحسابات العسكرية. أما إذا تحول إلى موقف سياسي أوسع.. داخل المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية، فسيصبح عاملا مهما في أي ترتيبات لحرب برية واسعة ضد الحوثيين.
فالقوات الجنوبية – وفي مقدمتها التشكيلات التي اكتسبت خبرة كبيرة في مواجهة الحوثيين – تمثل ثقلا عسكريا يصعب تجاهله. وبالتالي، فإن موقفها من المشاركة خارج الجنوب.. يمكن أن يؤثر في شكل أي عملية عسكرية، واتجاهاتها وحجمها.
وهنا تبرز معادلة جديدة: قد يكون هناك استعداد جنوبي واسع للدفاع عن الجنوب، من دون أن يعني ذلك وجود تفويض مفتوح.. للقتال خارجه.
ما بعد يناير
ربما تكون أحداث يناير، وما ترتب عليها من تحولات.. هي العامل الأكثر أهمية في فهم الموقف الجنوبي الحالي.
فالرسالة التي تتشكل في أوساط النقاش السياسي الجنوبي.. ليست موجهة إلى الحوثيين وحدهم، وإنما أيضا إلى الحلفاء والشركاء الإقليميين واليمنيين؛ لأن التحالفات العسكرية لا يمكن فصلها عن الثقة السياسية، وما حدث في الفترة الماضية.. ترك أثرا في الطريقة التي تنظر بها القوى الجنوبية إلى أي ترتيبات جديدة.
ومن هنا، فإن إعادة بناء مشاركة جنوبية واسعة.. في أي حرب محتملة، قد تحتاج إلى أكثر من مجرد طلب عسكري، أو وجود خصم مشترك؛ قد تحتاج إلى تفاهم سياسي جديد، يحدد موقع الجنوب في الحرب.. وفي اليوم الذي يليها.
ولهذا فإن السؤال الجنوبي في المرحلة المقبلة، قد لا يكون: هل نقاتل الحوثيين؟
فالجنوب سبق أن قاتلهم، وما زالت قواته تواجههم على خطوط التماس.
السؤال الأكثر دقة هو: أين نقاتل؟ ولماذا نقاتل؟ وما علاقة هذه المعركة بمصالح الجنوب وقضيته؟
هذه ربما تكون المعادلة السياسية الأهم التي ستواجه الجنوب، إذا انتقلت التطورات الحالية من مرحلة التصعيد المحدود، إلى مرحلة الحرب المفتوحة.