عادل نعمان
النقاب.. «عادة وليس عبادة»، هذا قول أغلب الفقهاء والمشايخ. فقد أكدوا أنه ليس فريضة من الله، أو سُنة عن رسوله، وليس مندوبة تثاب عليه المنتقبة.. أو تؤثم مَن تتركه، وليس ميزاناً نزن أو نكيل به التدين، «ولا يؤبه به أو له» (كما قالها أحد مشايخهم). ومعناها.. «لا يلتفت إليه، ولا يُحتفى به لضآلته»، فلماذا لا يرحمنا مشايخنا برأي قاطع باتر.. دون مواربة أو مهادنة، ويقطعون ويفصلون في القول؛ (أنه ليس من الإسلام، ومن حق ولي الأمر منعه.. سواء لضرر أو غير ذلك)، ولماذا هذه الرخاوة والليونة.. عند القول، على نهج ترك الباب موارباً.. كمعظم الفتاوى، ليجد الكل ضالته.. (كده ماشي وكده ماشي)؟ ولماذا لا تمنع الدولة هذا الذي «لا يؤبه به» في الأماكن العامة والمصالح الحكومية، والمواصلات العامة والخاصة، والمدارس والمستشفيات.. دون مسايسة أو محايلة، حماية للناس وممتلكاتهم وأولادهم وأعراضهم؟
هل قال أحدهم يوماً.. إنه محمول على أساطير وأباطيل الأولين؟ تحمله إلينا تارة حكايات عن الشياطين.. التي كانت تهبط ،وتحط من السماء على الأرض.. لاغتصاب ومضاجعة النساء عنوة في الطرقات، وكانت النساء يراوغن ويحتجبن، وتُخفي المرأة وجهها وشعرها، فيضل الشيطان عنها. وتارة تحمله إلينا أعاجيب العهد القديم في الديانة اليهودية، التي ورثها نساء المسلمين من يهود بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة، وارتضين التشبه بهن، وارتضى الرجل لها هذا الساتر، حتى تظل أسيرة عهده ويمينه. واختلطت الأسطورة الكاذبة.. مع فرية القرب من الله، والله غني عن العالمين.
وإذا كان النقاب فريضة.. يفرضها الإسلام السياسي على المجتمع، ويصيبه بالسواد الحالك؛ ضمن أدواته للجهل والتجهيل، ويمارس به ضغوطه وسلطاته السياسية على المجتمع، ويخطر به أولي الأمر بحجمه وسطوته، وتسلطه على فكر وعقول الناس، ومساحة نفوذه وهيمنته على دين الله، فيؤخذ رأيه في الاعتبار، ويصبح جزءاً من المعادلة.. لها وزنها وقيمتها، ويُستدعى في المناسبات.. ليرجح به كفة على الأخرى، ويُستقوى به ظهيراً على الآخر. حتى أصبح النقاب حاجزاً وساتراً لارتكاب ما يُغضب الله، وطريقاً سهلاً للتسول والسرقة والنصب والاحتيال وخطف الأطفال، وغطاء للعمليات الإرهابية، وهروب المطلوبين واختفائهم.
لكل هذا وأقل، فلا سبيل سوى منعه منعاً باتاً في الأماكن العامة، وفي المستشفيات والمدارس والجامعات والمصالح الحكومية جميعها، فالأمر أصبح يهدد سلامة المجتمع وأمنه، ولا يصح أن يقف المجتمع خائفاً من سياط السلفية، أو فتوى التجار في محلات الفتاوى، أو تكفير بعض المشايخ؛ فليس النقاب معلوماً من الدين بالضرورة، ولا فريضة يكفر الحاكم إذا حجبها ومنعها، وليس مندوحة لا غنى للنساء عنها.. لسلامة دينها، وعفة لا تكتمل إلا به، فليس لدى هؤلاء دليل شرعي واحد عليه، فإذا كان البعض يراه وسيلة لغض بصر الرجال عن النساء.. بفرض النقاب عليهن، كما جاء في الآية (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُونَ فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)؛ فالتكليف في الآية شامل الرجال والنساء، فإذا كانت الآية دليلاً على فرض النقاب على النساء.. لغض بصر الرجال عنهن، فإنه وفقاً لنص الآية.. مفروض على الرجال أيضاً، لغض بصر النساء عنهم. وهو أقرب للصواب. وفي نفس الوقت، فإن غض البصر.. يستدعي أن يكون وجه المرأة ظاهراً واضحاً، حتى يغض الرجل بصره عنها، فأين غض البصر.. إذا كان النقاب مانعاً وحائلاً عن النظر إلى المرأة؟
النقاب ظاهرة مجتمعية، وجب الاستغناء عنها.. درءاً للمفاسد التي تطل برأسها، تتحدى قيم السلامة والأمن والخير، وترسخ لقيم سلبية تستدعي النقاب – حين يكون إحدى أدوات الجريمة – عند الطلب، مما يستدعي الحفاظ على المجتمع وعلى الدين العظيم.. الذي يتم استخدام أحد أدواته استخداماً سلبياً. وكان من باب أولى أن ينادي المشايخ أنفسهم بمنعه.. حفاظاً على صورة الدين الحنيف من التشويه والإساءة؛ فلا يمكن أن نوافق على أن يكون النقاب غطاء وساتراً.. وحجاباً للقبيح من الأعمال، ولا نقبل من مشايخنا – وهم الأحرص على ديننا العظيم – أن يتركوا هذا الباب الموارب، يدخل منه كل من أراد الإساءة للدين والمجتمع.. تحت مظلة النقاب.
لقد أصبح من الضروري إغلاق هذا الباب الموارب.. بفتوى محددة، قاطعة أن النقاب ليس من الإسلام نقطة دون زيادة، ودون أن يضاف إلى هذا أنه «فضل». فلا فضل من الناس على الله!!.
(الدولة المدنية هي الحل).
نقلاً عن «المصري اليوم»