Times of Egypt

ملاحظات حول العقل القانوني العربي

M.Adam
نبيل عبدالفتاح

نبيل عبدالفتاح

العقل القانوني لعب أدواراً تأسيسية مهمة.. في بناء الدولة الحديثة في مصر، وأدى عديد الوظائف في السياسة، والتشريع، والثقافة. لكنه لم يخضع لدراسات فلسفية، وسياسية، لا سيما في ظل أنماطه المتعددة، وتفكيكها وتحليلها، في لحظات زهوه، وتألقه التاريخي، وأيضاً في مراحل تحوُّله إلى عقل وظيفي وأداتي، في ظل نظم دمج السلطات العربية ما بعد الاستقلال. 

غياب الدرس الفلسفي، والسوسيولوجي، والسياسي للعقل القانوني.. يمثل إحدى ثغرات الإنتاج المعرفي العربي، وذلك لهيمنة بعض القضايا النمطية في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي والسياسي العربيين؛ استمداداً من المرجعيات النظرية الغربية. من ثم لا بد من التركيز على بعض الملاحظات حول تكوين، وأدوار العقل القانوني، وذلك على النحو التالي:

  • لا يوجد عقل قانوني واحد، وإنما عديد العقول على المشتركات التكوينية، والخبراتية بين بعضها بعضاً. ثمة أنماط للعقل القانوني، تشمل العقل الفقهي، والعقل القضائي، والعقل التشريعي، والعقل البيروقراطي، وعقل جماعة المحامين، وداخل هذه العقول الوظيفية ثمة عقول استثنائية – من حيث قدراتها الإبداعية وإنتاجها المعرفي العابر للتخصصات الوظيفية – لاسيما في المرحلة شبه الليبرالية، وحتى الثمانينيات من القرن الماضي.
  • العقل الفقهي يشمل عقل الجماعة القانونية الأكاديمية في مختلف فروع العلوم القانونية؛ في مجالات القانون العام، والقانون الخاص. يمثل التخصص في كل فرع، إحدى سمات الخصوصية لكل فقيه؛ سواء في تكوينه النظري الغربي اللاتيني، أو الأنجلوساكسوني.. في الدول التي استمدت نظمها القانونية والقضائية من المرجع الأنجلوساكسوني، مع اطلاعات، وبحوث نظرية وتطبيقية للقوانين العربية، والمبادئ القضائية العامة في كل بلد عربي. العقل القضائي.. ويشمل التكوين النظري، والرأسمالي الخبراتي من المبادئ القضائية العامة في نظم التعدد القضائي الفرنسي (القضاء المدني، والإداري والدستوري)، والعقل القضائي.. عملي وتطبيقي، ويحاول – من خلال معايير التفسير والتأويل القانوني – المواءمة بين النص القانوني، والواقع المتغير؛ خاصة في النزاعات القانونية والقضائية، في ظل تفاقم وتكاثر المشكلات القانونية، مع الانفجارات السكانية في عديد من البلدان والمجتمعات العربية المعسورة.
  • العقل التشريعي يتشكل من العقل العام للمشرعين، من أعضاء البرلمانات، في نظم سلطوية لا تخضع لنظم وتقاليد وقيم الديمقراطية الليبرالية التمثيلية، خاصة ما بعد المرحلة شبه الليبرالية في مصر، وتسودها ثقافة الخضوع، والإذعان. من ثم هو عقل تابع لمراكز اتخاذ القرار في قمة الحكم. ويشمل هذا العقل التشريعي بعض المستشارين القانونيين للبرلمانات من أساتذة القانون، والقضاة، ومن يقومون بإعداد مشروعات القوانين للحكومات. 

من ثم، نحن إزاء عقل تشريعي تابع للعقل السياسي السلطوي، ومصالحه، وانحيازاته الاجتماعية أياً كانت، وظهيره الاجتماعي؛ خاصة في دول ومجتمعات انقسامية عربية. أما العقل القانوني البيروقراطي، فيشمل قادة أجهزة الدولة، من ذوي الخلفيات القانونية ويلعبون أدواراً هامة وراء خلفية وضع التشريعات، وتعديلاتها بناء على خبراتهم البيروقراطية، في مجالات العمل الإداري، والحكومي، وتقاليد تطبيق القوانين واللوائح والقرارات الإدارية.. في مجالات تخصصهم الوظيفي داخل أجهزة الدولة. عقل جماعة المحامين، الذي يتسم بالرأسمال الخبراتي في مجالات الدفاع عن الحقوق الفردية والعامة، والكشف عن الثغرات القانونية، والقدرة على التفسير والتأويل للنصوص القانونية، بما يتفق مع مصالح الأطراف التي يدافعون عنها.. في القضايا الموكلين في تمثيل الأطراف فيها أمام القضاء الإداري والمدني والجنائي والتجاري.. إلخ. حالة الفقر الفلسفي والنظري والتطبيقي المقارن والدراسات الخاصة بسوسيولوجيا القانون والدراسات الإمبيريقية، أثرت سلباً على تكوين العقل القانوني المصري والعربي. من الملاحظ أن السمات التكوينية للعقل القانوني وأنماطه المتعددة، يتمثل بعضها فيما يلي:

  • النزعة الشكلانية، واللغوية في وضع مشروعات القوانين، وتفسيرها وتأويلها وعدم الميل إلى التحليل الاجتماعي والتاريخي والسياسي والاقتصادي في مقاربة النظم والتشريعات وأصولها والمصالح التي تحميها وأثرها على العلاقات الاجتماعية وتطورها أو تخلفها.. إلخ. الانفصال بين وضع القانون ودراساته وتطبيقاته عن البحوث السوسيولوجية، والاقتصادية ومحدودية الدراسات السوسيوسياسية والقانونية للسياسات التشريعية في عديد الدول العربية.
  • النزعة التجريدية في وضع القواعد القانونية، وتنميط المخاطبين بها، من الناحية الاجتماعية، دونما مراعاة لنوعية المخاطب بها، ووضعه الطبقي، وكأن المخاطب بالقانون، كائن قانوني نظري، ومجرد. التجريد القانوني في صناعة القوانين سمت صناعة التشريعات، إلا أن تنميط الكائن/الشخصي القانوني الطبيعي، والمعنوي.. يغفل واقعه الطبقي والاجتماعي، وصراعات المصالح في المجتمع.. وبين طبقاته المختلفة، وانحيازات الطبقات العربية الحاكمة يسراً وعسراً. 

من ثم تشكل هذه النزعة قناعاً لإخفاء طبيعة المصالح الاجتماعية.. التي تحميها التشريعات، دون المصالح الاجتماعية الأخرى، خاصة مصالح الطبقات الاجتماعية الوسطى الصغيرة والعمال، والفلاحين، ومن هم خارج النظام الاجتماعي، وعلى الحافة.. في ظل الانفجارات السكانية، وعسر الحياة المتفاقم في دول العسر، بل وتفكك الطبقات الوسطى العربية. يلاحظ النزعة التبريرية لبعض العقل القانوني/التشريعي التابع، الذي يروج لمفاهيم الصالح العام، والنظام العام، والأمن العام، والآداب العامة، من منظور سلطوي.. منفصل عن التغيرات الاجتماعية فائقة السرعة، وعن التحولات في أنساق القيم، والأخلاقيات المتغيرة وسط الأجيال الجديدة، وداخل الطبقات الاجتماعية في المدن المريَّفة، والبوادي والأرياف. السمات السابقة للعقل القانوني العربي، أدت لتحوُّله إلى إحدى عقبات التنمية، وتطوُّر المجتمعات العربية، في ظل تفاقم المشكلات المتفجرة واضطراب مراحل الانتقال في النظام العالمي ومواقع القوة، وأيضاً القفزات التقنية والعلمية الكبرى والمتتالية نحو عالم ما بعد الإنسان.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة