عمار علي حسن
(1)
مساءلة رئيس الوزراء الحالي أو عتابه مضاعف.. أمام الشعب والتاريخ، ثم الله في الآخرة.
لماذا؟
لأنه رجل يحمل درجتَي الماجستير والدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط المدن)، ودبلومة في إدارة العمران من هولندا. ومع هذا لم يجهر برأيه بما جرى لمدننا من تشويه وتصحير، وعاد اليوم ليتحدث عن «تخضير القاهرة».
لا يجهل د. مصطفى مدبولي.. أن للفراغ ضرورته وثمنه؛ فإن صار الفراغ أخضر.. زاد أكثر. ومع هذا، ترك الأمر لمن يعتقدون أن أي متر فارغ.. هو فرصة لاستثمار عقاري؛ حتى لو تلاصقت البنايات، فصارت أشبه بالمعسكرات أو السجون أو العمارات المشوهة، التي توحشت.. أثناء فساد المحليات في زمن حكم مبارك.
كان على «مدبولي».. أن يقول بوضوح وثقة: إن الخضرة ضرورة صحية وجمالية، والفراغ بين الوحدات كذلك.. يضاعف أثمانها، وأن هذا يجب ألا يقتصر على المدن الجديدة والأحياء المسوَّرة والمرفَّهة، إنما هو حق لكل الطبقات، وأنني (أنه) رئيس وزراء، حريص على مراعاة الصالح العام.
نعم، لا يمكن أن ننكر أنه قد تمت مراعاة بعض هذه الشروط.. في البنايات التي قامت مكان أحياء عشوائية في السنوات الأخيرة، لكن حضر بعض الفراغ دون الاخضرار، فيما لم تفرق الحكومة – عموماً – بين الأحياء العشوائية، والأحياء التاريخية؛ فالأخيرة بحاجة إلى معاملة بمبضع جراح.. وليس معول فلاح.
(2)
هل الشخص الذي يغش النسكافيه والشاي – النسكافيه.. ببودرة الأسمنت؛ فيصاب بسببه آلاف الناس بالسرطان. والشاي وأشياء أخرى، ويضع كل مشروب في علبته الأصلية – في نفسه ذرة من أخلاق؟ وفي قلبه ذرة من ورع؟ هل هذا إنسان أصلاً؟
بعد استقرار الأوضاع السياسية، وما ثبت عن أن المصريين يواصلون تحملهم للضغوط.. التي صنعتها السياسة الاقتصادية، أتمنى أن تتوجه طاقة الدولة لمحاربة الغش التجاري؛ فعلى الأقل.. ترد الجميل للشعب، الذي يمول الجزء الأكبر من الموازنة العامة؟ ويعمل إعلامها بشيء مما يدفعه الناس له.. من المال العام.
أقول هذا، بمناسبة تمكُّن الداخلية من ضبط «مصنع بير سلم».. يرتكب هذه الجريمة. واصِلوا وعاقِبوا عقاباً رادعاً، وإذا كان القانون الحالي لا يرتب هذا.. فليتعدل.
(3)
المنافقون يتكاثرون.. كالأميبا؛ كلما ظننا أنهم انتهوا أو ترنحوا، أو خجلوا من أنفسهم، أو اتعظوا من غيرهم.. وجدنا أنهم يزدادون بجاحة وخسة وفُجراً؛ وكأن الجيل الجديد منهم.. صار أكثر توحشاً، في مواجهة كل قيم الشرف والنبل والإخلاص والوطنية والفهم.
المشكلة ليست فيهم بالطبع، إنما في أي حكومة.. تعتمد عليهم؛ فتُرضي غرورها، وتخسر البلاد والعباد.
(4)
قال نجيب محفوظ – في حوار مع الكاتب الصحفي والباحث في مجال الثقافة إبراهيم عبدالعزيز – «كان طه حسين ينبه على الأساتذة.. ألا يسمحوا لنا بكتابة المحاضرات، ولا يجوز لنا أن نقيد في أوراقنا.. إلا اسم مرجع، أو سؤال نريد أن نسأله. أما أن أقيد ما يقوله الأستاذ، وأحفظ. فهذا ما يرفضه، ويقول لنا: اكتبوا المحاضرات.. مما استوعبته عقولكم، ولديكم المراجع في مكتبة الجامعة».
(5)
تستطيع أن تُعلِّم جاهلاً، وتُنبِّه غافلاً، وتُحذِّر مندفعاً، وتُعيد شارداً، وتَهدي ضالاً، وتستجيب – بحكمة وموعظة حسنة – إلى من يسعى إلى نصيحة شافية كافية، لكن ليس بوسعك أن تقنع صنفين من البشر؛ المجنون والأحمق. فالأول: يعجبه عقله.. حتى لو كان يهذي ويهذر، ويرغي ويفجر. والثاني: لا دواء له، مهما حاولنا، وإلا امتد إلينا المرض. ومن أسفٍ، أن الرذيلتين اجتمعتا في ترامب. وصدق الشاعر حين قال: «لكل داء دواء يستطب به… إلا الحماقة أعيت من يداويها».
يقول ترامب.. إنه «دمر قدرات إيران العسكرية، وأنها صارت الآن ضعيفة جداً، وقادتها لا يملكون سوى الثرثرة».
تقول إيران.. «إننا أجبرنا أمريكا على التراجع، ودمرنا قواعدها في الخليج، وضربنا أساطيلها، وأحدثنا تدميراً واسعاً في إسرائيل، ونتحكم في مضيق هرمز، ولدينا أسلحة جديدة.. لم نستخدمها بعد. وترامب عاجز، ولا يملك سوى الهذيان كل ساعة».
تقول أغلب الصحافة الأمريكية – بما فيها الموالية للجمهوريين – «ترامب خسر الحرب، وأمريكا استنفدت نصف قدراتها الدفاعية كاملة، وأنها في مأزق لا تعرف كيف تخرج منه، ولم تكن تملك خطة للحرب من الأساس».
تقول بعض الصحافة البريطانية «إن الاتفاق الذي يبحث ترامب قبوله أقل بكثير بالنسبة لأمريكا من الذي وقعه أوباما 2015».
يقول الواقع كل شيء، ويشهد العالم كله بهذا، ويعرف لمن صارت اليد الطولى الآن، بعيداً عن الثرثرة والهذيان.
ها هو الكاتب والمفكر الأمريكي روبرت كوجين، يدعو ترامب إلى إعلان الاستسلام، وهو واحد من مفكرين أمريكيين يمينيين محافظين، كانوا يتبنون فكرة هيمنة أمريكا على العالم بقوة السلاح.
في الوقت نفسه تشير تقارير وتحليلات للكاتب والصحفي الأمريكي الشهير توماس فريدمان – في مقالاته بصحيفة «نيويورك تايمز» – إلى أن إدارة ترامب.. قد تضطر إلى قبول «الاستسلام»، أو التراجع عن شروطها غير الواقعية.. في الصراعات الدولية الراهنة؛ خصوصاً الحرب على إيران، بسبب غياب التخطيط المسبق، وفقدان أوراق الضغط الفعال.
نقلاً عن «المصري اليوم»