Times of Egypt

مذكرة أفريقية 

M.Adam

جميل مطر

انتظم في القاهرة قبل أيام.. احتفال بيوم أفريقيا، قيل لي إنه كان فاتراً.. مقارنة بما كان يستحق، لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحداً من «الشكائين»، أو «البكائين» على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف أنني حزنت نوعاً ما، لأننا لم ننظم احتفالاً يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية، احتفالاً ينسجم مع قادم الأيام والأحلام. أتمنى على كل حال أن لا يتمدد سبب حزني أو يطول.

لي مع أفريقيا حكايات، ولي مع الصين حكايات أخرى. ففي مثل عمري، يحب المرء أن يقضي بعض فراغ وقته – وهو بعض كبير – مع الذكريات.. ينعشها وتنعشه، ثم يستأذن ليروي منها ما لا يزعج ولا يؤذي.

أذكرني جالساً في غرفة من غرف مخصصة لموظفي إدارة الصحافة.. في موقعها الجديد بالعمارة التي احتلتها وزارة الخارجية في ضاحية الجيزة. وفي الطابق ذاته، سكنت الإدارة الأفريقية وإدارات غيرها.. غرفاً أخرى. تصادف وقتها – أي قبل حوالي 60 سنة – أنني كنت عائداً للديوان العام.. من دورة السنوات الأربع التي قضيتها في الهند والصين وإيطاليا على التوالي. تصادف أيضاً أن زملاء آخرين من دفعتي، كانوا عائدين من دورات.. أخذت البعض منهم إلى سفارات في باكستان والسودان والدانمارك وقنصلية نابولي، هؤلاء التحقوا بإدارات متنوعة؛ منها الإدارة الأفريقية ومكاتبها – كما ذكرت – التي تقع بالطابق نفسه الذي احتلته إدارتنا.

لاحظت – وهنا تبدأ الحكاية – أن زملائي في الإدارة الأفريقية، كانوا يقضون معظم أوقات عملهم في مكاتبنا بإدارة الصحافة.. وكأنهم بلا عمل يؤدونه. صرنا مع الوقت على علم بشكواهم؛ وخلاصتها أن جهازاً يتبع رئيس الدولة مباشرة.. صار يحتكر كل العمل المتعلق بالنشاط المصري في أفريقيا، وبسياسات وأنشطة الدول الأفريقية. تردد كثيراً اسم الضابط الشاب محمد فايق.. كرئيس لهذا الجهاز. ساد بيننا – كشباب حديثي العهد بالدبلوماسية – ما يشبه الحزن على زملائنا في الإدارة الأفريقية، الذين قضوا عامين – على الأقل – بدون عمل مهم يؤدونه.

مرت سنوات كثيرة؛ بعضها قضيته في العمل الدبلوماسي في أمريكا اللاتينية، وبعضها في جامعة للدراسات العليا، وبعضها في العمل البحثي في مراكز للدراسات السياسية، وبعضها في جامعة الدول العربية.. مسؤولاً في جانب منه عن قطاع المعونة الفنية للدول الأفريقية. هنا في هذا القطاع، اقتربت من أفريقيا.. كما لم أقترب من مجال اهتمام آخر، باستثناء الصين.

أنا مدين لكثيرين قدموني لأفريقيا، ولكني أختص باعترافي بالجميل – وهو كبير وصادق وثمين – لعدد محدود؛ على رأسهم محمد فايق. كان – ولا يزال – يعيش في قلوب زعماء أفارقة، قادوا – معه – بلادهم نحو الحرية، ووضع الأساس.. لتصبح مصر دولة أفريقية رائدة، ولو إلى حين.

كان سمير أمين.. واحداً من بين كثيرين رشحوا لي فايق، ليحتل هذه المكانة الفريدة.. في قائمة من أعتز بقيمتهم؛ ومنهم من قدَّم لأفريقيا خدمات جليلة، وسعى – بكل الإخلاص – ليحقق أهدافها، ويعزز سعيها نحو التقدم والتكامل؛ من هؤلاء الدكتور بطرس غالي.. الوزير المغرم بأفريقيا، والسفير العظيم – وزميل دفعتي بالخارجية – أحمد حجاج، والناشط الأفريقي الرائع حلمي شعراوي، وصاحب المبادئ الخلاقة محسن عوض، والباحث الدؤوب والرائع حمدي عبدالرحمن، والسفيرة منى عمر.. الصديقة والصادقة في حبها لأفريقيا بخاصة، ولعملها وزملائها عموماً، والزميلة أماني الطويل.. الباحثة القديرة والإنسانة المتآلفة – عشقاً وتناغماً – مع الطبيعة البشرية الأفريقية.

زرت داكار. هناك رأيت سمير أمين يعمل على الطبيعة.. متحدياً واقعاً صعباً. حضرته يحاضر في التنمية.. عشرات الباحثين من كافة الجنسيات الأفريقية.. في مركز تابع للأمم المتحدة. وصفه سياسيون أجانب.. بالراهب الذي وهب نفسه لخدمة أفريقيا؛ فقد ساهم في تكوين خبراء وعلماء اجتماع، قادوا – في بلادهم الناشئة – الخطوات الأولى نحو السيادة والرقي والإرادة الحرة. اجتمعنا مرات؛ وفي كل مرة.. أزداد ثقة بأنني أمام رجل، سوف تذكره أفريقيا بكل الخير.. لسنوات قادمة.

زرت بعدها زامبيا وجنوب أفريقيا، وفي رحلة ثالثة زرت جزر «الأقمر» وموزمبيق ومدغشقر وتانزانيا وكينيا وجنوب السودان وإثيوبيا والصومال. وفي جميعها، اجتمع الناس – في نفَس واحد – على مديح نيلسون مانديلا ومحمد فايق. وفي حفل أقيم لتكريمي، قلَّد أحد هؤلاء الزعماء فايق.. صفة «بطل أفريقيا»، زعيم آخر اختصه بعبارة.. القائد المشارك لأسطورة الاستقلال الوطني في أفريقيا. لن أنسي قدر انفعالي، يوم أطلعني أحد الحكام الأفارقة – وكان ما يزال يسعى للحصول على اعتراف الدول بدولته الناشئة – أطلعني على صورته مع فايق في القاهرة.. وسط استعدادات العودة لبلاده.. لإعلان استقلالها؛ معترفاً بأن هذه الصورة، حققت له أوسع تأييد وتضامُن.. خلال المراحل النهائية لنضاله.

كان للتجوال في أنحاء أفريقيا – في ذلك الوقت – طعم محبَّب. طعم شعوب أفاقت من كابوس رهيب، أذكر قادتهم.. وقد جاءوا إلى القاهرة بنيَّة التصديق – في مؤتمر شامل لكل أفريقيا – على وثيقة إقامة منظمة أفريقية كبرى.. تلم شتات الأفريقيين؛ دولاً ومنظمات وشعوباً وحركات، وطموحات وأحلاماً. كنت شاهداً على فرحة أممية.. لا تعادلها فرحة أخرى.

أذكرني، قبل التخرج من الجامعة، وأنا أعيش يوماً.. مع قبيلة تسكن جبالاً في أعالي كردفان. تصادف أنه كان يوم احتفال شيوخها.. بعيد بلوغ شباب القبيلة. كنت أعرف أن للبلوغ عند القبائل الأفريقية مكانة مقدسة. يثقون – كما شرح لنا أحد شيوخ القبيلة صباح يوم الاحتفال – أن عيد «البلوغ».. يعني أشياء كثيرة؛ في صدارتها يأتي الإيمان بأن القبيلة في هذا اليوم تتجدد وترتقي.. في آن. حضرني هذا الشرح، وأنا أشارك – ضمن فريق من شباب الخارجية المصرية، مكلف بتنظيم عقد المؤتمر الأفريقي الأول – فأتساءل.. عما إذا كان ما أشهد أمامي في القاعة؛ من حماسة وصدق، وثقة في المستقبل.. هو أول خطوة على الطريق نحو «البلوغ».. بلوغ الأمة؛ أمتنا العربية، وأمة أفريقيا.

الغريب – والمثير معاً – هو أن يخطر لي الشرح نفسه.. بعد مرور أكثر من عشرين سنة على انعقاد المؤتمر الأفريقي الأول، وكنت رئيساً لفريق لجنة صياغة قرارات أحد مؤتمرات القمة العربية، وكنا – رئيساً وأعضاء، وبينهم من صار وزيراً لخارجية بلاده – مجمعين على أننا نعيش للأسف.. مرحلة أفول في العمل العربي المشترك. يومها خطر الخاطر نفسه.. حتى رحت أتساءل عما إذا كان ما نشهده أمامنا، خطوة إلى الوراء.. على الطريق نحو «البلوغ»؟ هل هو النكوص الجماعي ..عن مهمة تحقيق أقدس أقداس العمل السياسي، وأقصد التكامل القومي أو الإقليمي.. أمنياً واقتصادياً؟

مرت سنوات أخرى عديدة. اجتمعنا بعدها في القاهرة.. كفريق مشترك من متخصصين في الشؤون العربية، ومتخصصين في الشؤون الأفريقية. فكرنا وبحثنا.. وتوصلنا إلى رأي، أخشى القول إنه كان موحَّداً. نعم، لقد سعت الأمم الأفريقية والأمم العربية للوصول – كل بوسائلها الخاصة – إلى حال «البلوغ»، وكانت حصيلة السعي واحدة.. في الساحتين العربية والأفريقية:

كلاهما وصل إلى «سن البلوغ»، ثم تجاوزه.. دون أن يتوصل أي منهما – وللأسف الشديد – إلى «حال البلوغ».

تؤلمني الإضافة، بأنه حتى السعي نحو «البلوغ».. توقف.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة