نبيل عبدالفتاح
بعض من السمات التكوينية للعقل السياسي الحزبي اليساري المصري – وبعض العربي – هيمنة بعض من النزعة النقلية مع النصوص المؤسسة – الفلسفية والأيديولوجية – لبيان الحزب وبرنامجه، وروافده الفلسفية.. التي غالباً ما تتواشج مع بعض من الهيبة والنصوصية الصارمة، ويبدو النص المؤسس.. المرجع والحَكم لدى بعض منظري الحزب، ثم يتحول بعضه من أصوله ومرجعياته وروافده الفلسفية والأيديولوجية.. إلى سرديات شارحة، ثم تبني بعضها.. واتخاذها مصدراً للإعلان السياسي للحزب وبرنامجه، وأحد مصادر التنشئة والتكوين الحزبي لأعضائه، ويتناسل منه.. أحد معايير المساءلة للأعضاء، حال الخروج على بعض القواعد التنظيمية، أو طرح آراء مغايرة أو نقيضة للبرنامج.
ثمة حالة من غواية وسحر النص المؤسس.. من ماركس وإنجلز ولينين وستالين وتروتسكي، ثم إلى سردياته الشارحة. من الملاحظ، أن قلة من النخبة القيادية للأحزاب الماركسية ـ من اليهود والمتمصرين والمصريين ـ هم من اطلعوا في المرحلة شبه الليبرالية.. على الأصول الفلسفية الماركسيةً، والاتجاهات الأخرى من مفسريها، ومطوري نظرياتها ومفاهيمها.. من الفلاسفة والسياسيين الأوروبيين، قبل وبعد الحرب العالمية الثانية.. باللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والروسية.
معظم الكوادر والأعضاء – خاصة من العمال وموظفي أجهزة الدولة على قلتهم – لم يطلعوا إلا على بعض الكتب والأوراق الشارحة؛ مثل كتاب جورج بوليتزر عن الفلسفة الماركسية.. الذي أعده خصيصاً لعمال شركة رينو الفرنسية، لتبسيط المادية التاريخية والمادية الجدلية.. الذي اعتمدته الحزب الشيوعي الفرنسي، واعتمدت بعض الأحزاب العربية كتابات وكتيبات لينين وستالين، وبعض الأوراق الشارحة.
بعض الملاحظات حول العقل الأيديولوجي – شبه النقلي – هي نتاج قراءات بعض من كتاباتها وبياناتها المعلنة، وبعض المقابلات. وبعض الكتابات النقدية والتقويمية.. التي اتسمت بالجدية، والموضوعية، والتفاعل مع الواقع الموضوعي.. دولياً وعربياً، وبعضها الآخر.. حول واقع كل مجتمع عربي؛ على قلة هذه الكتابات وطابعها التعميمي وسيولتها. وبعضها الثالث جزء من الحروب الأيديولوجية البينية بين الأحزاب.
انطلاقاً من هذه الملاحظة، يمكن طرح بعض الملاحظات حول العقل الأيديولوجي الحزبي.. على النحو التالي:
- التمركز الأيديولوجي حول أطروحات الحزب، وبرنامجه وبياناته – ولا بأس في ذلك – إلا أن هذا التمركز ومرجعياته وتأويلاته، وتناصاته مع الأصول الماركسية، اتسم بعضه بالنقلية والجمود النسبي، وليس التأويل الخلاق ــ إلا قليلاً ــ في التطبيق على الواقع التاريخي والموضوعي؛ من البونابرتية إلى نمط الإنتاج الآسيوي، وعدم المتابعة التحليلية النقدية مع ما كان يجري في تجارب الاتحاد السوفيتي، والصين، والدول الشيوعية الأخرى، وعلاقة الأيديولوجيا بالواقع الموضوعي، وخصوصياته في كل مجتمع وثقافة. ومن ثم مواطن الخلل والفجوات بين الأيديولوجيا – كوعي زائف أو كضرورة رمزية للتماسك المجتمعي.. لدى بول ريكور، وبين خصوصيات كل بلد شيوعي، وظهور أوليغاركيات حزبية داخل أحزاب الطبقة العاملة، التي تحولت إلى كتل غفيرة، دونما مشاركة فاعلة داخل الأحزاب الشيوعية في الإمبراطورية الماركسية السوفيتية السابقة.
- غياب ممارسات نظرية وأيديولوجية خلاقة.. تعتمد على تحليل الواقع الموضوعي في ذاته، واكتشاف سماته المتعددة، في ظل مجتمعات انقسامية، لم تتبلور من خلالها أنماط الإنتاج، وعلاقاته.. طبقياً، ونضج في الوعي الاجتماعي مصاحب لها، وإنما ظلت مسيطرة على الوعي والإدراك والبنى والمكونات الطائفية والقبلية والعشائرية، والعرقية، والدينية والمذهبية والمناطقية، وأنماط التدين الشعبي، ومن ثم كانت البرامج، والبيانات السياسية، تنطلق من المرجع الأيديولوجي الماركسي من أعلى.. على الواقع الانقسامي في هذه البلدان والمجتمعات، ومن ثم أدى ذلك إلى مركزية الأيديولوجيا، ومقولاتها الأساسية، التي يعاد توظيفها، وإعادة إنتاجها خارج الواقع الموضوعي الذي تتنزل عليه، وباتت غالب برامجها وبياناتها ممارسة نقلية.. تتجاوز، وضعيات الواقع الديني والاجتماعي، والثقافي، والسياسي الاستبدادي، والشعبوي، والسلطوي العربي بعد الاستقلال.
- النزعة التبشيرية بالماركسية كأيديولوجيا، وسط بعض العمال والمثقفين، والطلاب – لاسيما وسط الحركات الطلابية – وتوظيف دوافع غضب ورفض بعض الطلاب.. المتمردين على النظم الاستبدادية، والسلطوية العربية؛ كالحركة الطلابية المصرية وخلافاتها الجوهرية مع نظام السادات.
- الانضباط التنظيمي في العمل والأنشطة الحزبية – وهو أمر مطلوب، وصارم – نظراً للطبيعة السرية للعمل الحزبي، بسبب المنع القانوني، والمطاردات الأمنية، إلا أن بعض هذه الأحزاب، وقادتها جعلوا من الانضباط التنظيمي معياراً للولاء للقيادات العليا.
- الحياة السرية للأحزاب اليسارية، والقيود الشديدة على نشاطاتها، ومراقبتها.. أدى إلى انفصالها عن بعض القواعد الاجتماعية العمالية، ومن الفئات الوسطى الصغيرة، والفلاحين، والبروليتاريا الرثة، ومن ثم إلى محدودية الدراسات عن الواقع الاجتماعي والديني والثقافي السائد، وسط هذه الفئات الاجتماعية، ومن ثم أحداث تطوير، أو تطبيع نظري للماركسية على واقع مختلف.
اللا سياسة، في عقب الربيع العربي، وفشل الأحزاب السياسية المعارضة، ومنها الأحزاب الجديدة، ومن ثم إلى هيمنة السلطوية الشعبوية في بعض دول الربيع العربي مثل تونس، في ظل عالم عربي مفكك، وهيمنة بعض دول الجوار الجغرافي العربي على بعض الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتفاقم الخلافات بين دول اليسر وبعض دول العسر وبين بعضهم بعضاً، وبين السلطات الحاكمة والأخطر بين فئات وشرائح اجتماعية بين القلة من السراة، وبين الفئات الوسطى وتهميشها عربياً وتفككها والإقصاءات الاجتماعية للعمال والفلاحين والبدو، وبعض من الخلافات الاجتماعية السياسية الواسعة.. تجلت تجاه ما يحدث في الحرب على إيران، وأيضاً حرب الإبادة على قطاع غزة.
نقلاً عن «الأهرام»