تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

هالة فؤاد وأزمة المثقف عبر العصور 

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) هالة فؤاد.. لن نقول وداعاً 

رحلت الأخت العزيزة أستاذة الفلسفة الدكتورة هالة فؤاد.. في هدوء شديد، تماماً كما عاشت. لم تكن تسعى إلى أضواء الحياة الثقافية، أو الانخراط في أنشطتها وفعالياتها. اختارت دوماً.. أن تقرأ وتتابع وتتأمل وترصد وتراقب وتحلل. كانت تتدخل وتساهم وتعلق عند الضرورة.. بآراء عميقة، وبتعليقات محددة، دون إفراط؛ بكل صراحة ووضوح. كانت تقدم نموذجاً للمثقف «المُواجه»، الذي لا يعنيه إلا الحقيقة.. المتحررة من التوازنات، والحسابات، والمجاملات، والولاءات. كان يوجهها – في هذا السلوك – دراستها لأزمة المثقف عبر العصور.. الذي قُيد – طوعاً أو قسراً – للتوازنات، والحسابات، والمجاملات، والولاءات. 

ولعل كتابها – الذي أعتبره مرجعياً في هذا المقام – «المثقف بين سندان السلطة ومطرقة العامة: أبو حيان التوحيدي نموذجاً» (صدر عام 2015 ويبلغ 600 صفحة)، كان له عظيم الأثر في تجنب كل تلك الآفات. وربما يكون من المفيد أن نعرض مضمون الكتاب العمدة؛ الذي تركته لنا «هالة فؤاد»، وسيظل خالداً بما تضمَّنه من أفكار.. صالحة لمقاربة الحاضر من جهة، وتخليداً لذكرى الراحلة الكريمة من جهة أخرى.

(2) المثقف المُحاصر ومحنته المُركبة 

يبدو الكتاب أنه يقارب مرحلة زمنية في التاريخ العربي، إلا أن القراءة المتأنية لزمن «التوحيدي» (922 ــ 1023م) بشكل عام، وحياته ونصوصه بشكل خاص، تقدم لنا نموذجاً واقعياً «للمثقف المُحاصر». ومن خلال مراجعة نصوصه، عرفنا وأدركنا الكثير عن: 

أولاً: علاقة السلطة بالمثقفين. 

ثانياً: نموذجاً المثقف الموتور والوزير الخائف. 

ثالثاً: مجالس الندماء التي تساوي مجتمعات النُخب المعاصرة. 

رابعًا: العلاقة المركبة بين السلطة والنخبة المثقفة والفقهاء والعامة الدهماء. 

في هذا السياق، كشفت «هالة فؤاد» – بجلاء – عما يمكن أن نُطلق عليه ما يلي: 

أولاً: «المُثقف الحائر» بين الاستقلال والابتذال. 

وثانياً: «للعلاقة المتراوحة بين السلطة والمثقفين.. من التوظيف السلطوي المباشر، المدعوم بالمكانة والوجاهة إلى الإنكار والاستبعاد». نعم، كان القرن العاشر الميلادي/ الرابع الهجري يشهد حالة من الازدهار الثقافي، إلا أنه – في نفس الوقت – كانت تتشابك فيه الصراعات السياسية. وتؤكد القراءة التحليلية لنصوص مثل: «الإمتاع والمؤانسة» و«أخلاق الوزيرين» كيف يعاني المثقف بين الرغبة في الاستقلال وبين الالتحاق بالسلطة. 

في هذا الإطار، رصدت هالة فؤاد مراحل تلك العلاقة المعقدة كما يلي: 

أولاً: «غواية» الطلب السلطوي بالكتابة. 

ثانياً: استجابة المثقف للكتابة المقرونة «بالإمتاع والمؤانسة» بينه وبين السلطة. أو بلغة أخرى يحظى المثقف بالمشروعية. 

ثالثاً: لحظة حقيقة مركبة تعكسها نفسية الكاتب المثقف أو «الذات الكاتبة» – بحسب الدكتورة هالة – وتتمثل لحظة الحقيقة في: «تفريج الهم وبث الشكوى لذات جريحة منهكة، من جانب، وذاتية تدافع عن كرامتها وكبريائها، وعدم نيلها ما تستحق من مكانة.. هي جديرة بها، ومستحقة لها. ومن جانب آخر، وأخيراً ذاتية، ترتبط معاناتها بمحض الحاجة المادية، سواء كانت لديها حاجة فعلية؛ وهي الرغبة في الوفرة والترف والثراء، أم تتطلع للعيش الإنساني الكريم».. هذا هو نموذج «المثقف المُحاصر». 

لقد توقفت قراءة الدكتورة هالة فؤاد طويلاً.. عند المعاناة الداخلية لدى «أبي حيان التوحيدي»؛ التي تتراوح بين حصاره من قبل السلطة، وبين المحنة المركبة المتمثلة في أن يعيش عالقاً بين «سلطة ضميره، ومطالب أميره» من جانب، وبين «واجبه تجاه الناس/المواطنين، وخوفه منهم». لذلك لم يكن التوحيدي – لدى «هالة فؤاد» – حالة فردية ماضاوية، تخص عصراً قديماً بعينه، بل نموذجاً متكرراً ومتجدداً في ثقافتنا العربية؛ فالمثقف قد يتحول أحياناً إلى أداة في يد السلطة، وقد ينجرف إلى كتابة انتقامية، أو تصفية حسابات. وقد يبرر لنفسه التنازل.. باسم الواقعية، أو الحاجة، أو النجاة الشخصية. بيد أنه – وكما أشارت «هالة فؤاد» في أكثر من موضع – بأن القيمة الحقيقية للمثقف، تظل كامنة في استقلاله وفي اختياره الواعي في الانحياز للناس/المواطنين وقضاياهم، وفي تحرره من أي حصار.

(3) المثقف في الماضي والحاضر.. والمستقبل 

إن أمتع ما في أطروحة الدكتورة «هالة فؤاد»؛ أنها لم تقرأ التراث بعين المؤرخ البارد، بل بعين الباحث الدؤوب، المهموم بأحوال الثقافة وبأوضاع المثقفين. وفي مجلدها المرجعي، أثبتت أن أزمة المثقف ليست شأناً تاريخياً، بل إشكالية متجددة وحاضرة – لا تزال – في زماننا. ولذلك جاء كتابها أقرب إلى مرآة.. يرى فيها القارئ أزمات الثقافة والمثقفين في عصرنا، بقدر ما يرى أزمات القرن الرابع الهجري. ولم يكن سؤالها الضمني المُلح: ماذا حدث للتوحيدي؟ بل: لماذا يتكرر مصير التوحيدي في كل عصر؟ ولماذا يبقى المثقف العربي معلقاً.. بين الرغبة في الحرية، والخوف من العزلة، أو الإقصاء والتهميش؟ 

بمعنى آخر، يمكن أن نقول إن «هالة فؤاد».. قد قبضت من خلال كتابها العمدة – في ضوء الماضي، وبعين على الحاضر، ومن أجل مستقبل أفضل للثقافة والمثقفين – على أزمة المثقف عبر العصور.

(4) هالة فؤاد: المثقفون والسلطة والعامة 

وبعد، أعرف أن «هالة» كان لديها الكثير من الأحلام والمشروعات، إلا أن القدر لم يمهلها.. أن تحقق أحلامها، وتتمم مشروعاتها. فقد عاندها القدر بتغييب الزوج والأم.. على التوالي. ثم داهمها بالمرض، التي كانت تقاومه بالأحلام والمشروعات. إلا أن «هالة فؤاد» ستظل حاضرة.. كنموذج إنساني نقي وثقافي نادر، إضافة إلى أفكارها حول المثقفين والسلطة والعامة. ولعل أقل ما يمكن أن نقدمه لها، جعل كتابها متوفراً دائما. 

رحلت «هالة»، وقد كان بيننا وعد بلقاء قريب، هكذا انتهت آخر مكالمة هاتفية بيننا.. قبل رحيلها بأيام. تحدثنا كأن الوقت مازال ممتداً، وكأن الأيام قادرة دائماً على منحنا فرصة أخرى.. لاستكمال ما انقطع من أحاديث وأسئلة وتأملات. لكن اللقاء لم يتحقق، فلقد سبقه رحيلها.. الذي جاء امتداداً لحياتها.. هادئاً، وإن كان موجعاً.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة