عبدالله عبدالسلام
تمر القضية الفلسطينية بأصعب وأكثر المراحل تعقيداً في تاريخها. وضعٌ كارثي في غزة؛ إسرائيل تسيطر على 55٪ منها، وتريد تقسيمها إلى الأبد. الضفة الغربية تشهد توسعاً استيطانياً غير مسبوق. الانقسام الداخلي الفلسطيني، وغياب وحدة القرار.. في الذروة. أنظار العالم واهتماماته مشدوهة إلى إيران ومضيق هُرمز، نتيجة العدوان الأمريكي الإسرائيلي.
القضية الفلسطينية ليست «أولوية» عربية حالياً. ومع ذلك، الصورة ليست قاتمة تماماً، هناك أمل. هذا ما تخرج به بعد قراءة كتاب «سياسة القوة الإسرائيلية.. من الإبادة إلى خطة ترامب» للدكتور عبدالعليم محمد – الكاتب والباحث السياسي البارز – «مادام هناك صمود شعبي فلسطيني ورَفْض للتهجير، فلن يحقق الكيان الغاصب أهدافه».
يحلل المؤلف سياسات القوة الإسرائيلية.. وتجلياتها وأهدافها؛ سواء في الأراضي الفلسطينية، أو المنطقة برُمتها – من غزة إلى طهران – ويؤكد أن إسرائيل لن يكون بمستطاعها تنفيذ الأجندة الأمنية، والأهداف المُغرقة في طموحها؛ سواء تعلَّق الأمر بتصفية القضية الفلسطينية، وشطب الدولة الفلسطينية من جدول الأعمال العربي والدولي، أو تغيير الشرق الأوسط.
ورغم أن الحديث الإعلامي لا يتوقف.. عن «الانتصارات» الإسرائيلية، إلا أن الواقع يقول إن العدوان يتعثر في تحقيق أهدافه؛ فهو لم يستطع القضاء على المقاومة الفلسطينية، هي في حالة كُمون.. لكنها لم «تمت». النصر الإسرائيلي الحاسم.. لم يحدث، ولن يحدث. إسرائيل – كما يرى الدكتور عبدالعليم – فقدت القدرة على الاستقلال الاستراتيجي، أي في اتخاذ قرارات مستقلة عن أمريكا.. فيما يتعلق بأمنها ومصالحها. المجتمع الدولي لم يُعر مطلبها بشطب الدولة الفلسطينية وحل الدولتين اهتماماً. حوالي 160 دولة.. تعترف حالياً بالدولة الفلسطينية، بينها أعضاء دائمون في مجلس الأمن.
تبدو الحلول بعيدة الآن؛ خطة ترامب – التي هي سلطة الأمر الواقع في غزة – تواجه كبوات مالية وإدارية.. بسبب اشتراط النزع الكامل لسلاح المقاومة، قبل البدء الفعلي في إعادة بناء ما دمرته إسرائيل. هناك وقف إطلاق نار هش منذ أكتوبر 2025. ومع ذلك، فإن المقاومة لم – ولن – تتوقف؛ لأنها تلعب الدور الأساسي في بناء الوعي، واستنهاض القوى الحية.. الكامنة في مواجهة الظلم والاحتلال.
غزة – التي أراد الاحتلال قتلها، ودفن أبناءها تحت الأنقاض، ومحوها من الجغرافيا وتهجير أهلها – ما تزال صامدة. التاريخ لم ينتهِ بعد. وستعود المقاومة بأقوى مما كانت. تجارب التاريخ منذ نكبة 48 تقول ذلك.
لكن ذلك لن يحدث، ما لم تكن هناك موجة تحررية – كما يستحثنا المؤلف – تجتاح المجتمعات العربية والإسلامية.
يتساءل: هل بمقدور العرب والمسلمين استئناف ما انقطع.. من تراثهم، وتملك القدرة على التجديد الديني والعقلي، والاقتباس الخلاّق، واللحاق بركب العالم الحديث؟.
الفرصة لا تزال سانحة، بشرط توافر الإرادة والمعرفة العميقة بوضعنا الآن، والتحديات المطروحة، وأهمها الفجوة العلمية بيننا وبين إسرائيل. نفتقد القدرة العلمية والمؤسسية، ومخرجاتها التكنولوجية والتقنية.. التي تنعكس على مجريات الصراع.
ومن أسفٍ.. أن القادرين مالياً عندنا (عرباً ومسلمين) – الذين يحرصون على بناء القصور، والتباهي بالتملك العقاري – لم يخطر ببالهم الاستثمار في تحفيز العلم والبحث العلمي.
… الأمل في الحصول على حقوقنا، والدفاع عن أرضنا.. مرتبط بالعمل والنهوض والإرادة، فهل نحن على قدر هذا التحدي؟
نقلاً عن «المصري اليوم»