Times of Egypt

الإمبراطورية الأمريكية.. سؤال الغروب!

M.Adam
عبدالله السناوي 

عبدالله السناوي

«بقليل من الوقت الإضافي.. نستطيع فتح مضيق هرمز، والاستيلاء على النفط، وجني ثروة هائلة».

هكذا بكل وضوح تحدَّث الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»؛، تبريراً لمُضيه في الحرب.. رغم آثارها الكارثية على الاقتصاد العالمي، كأنه زعيم عصابة مافيا لا كرئيس لقوة دولية عظمى.

تلخص هذه العبارة بالذات.. عمق الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة، حتى بات مستقبلها كقوة عظمى موضع تساؤل جدي.

لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. يُطرح سؤال مستقبلها، وإذا ما كانت على وشك الغروب تحت الأفق المشتعل بالنار في الشرق الأوسط.

في ستينيات القرن الماضي، أطلقت على حروب المنطقة تسمية «أزمة الشرق الأوسط».

التوصيف نفسه.. بدأ يتسلل إلى الأدبيات السياسية من جديد، بقدر اتساع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وفداحة تداعياتها.

«الأهداف الاستراتيجية توشك أن تتحقق».

ماذا يقصد ــ بالضبط؟

لا أحد بوسعه أن يعرف، أو يتكهن.. بما سوف يقوله بعد دقائق.

«سنعيد إيران إلى العصر الحجري».

كان ذلك انفلاتًا عصبيًا آخر، بأثر إخفاق حملته العسكري..ة في الوصول إلى إنجازات يمكن الإمساك بها، والتفاوض على أساسها.

بعد ساعات قليلة، أسقط الإيرانيون طائرتين أمريكيتين متقدمتين، وطاردوا المروحيات التي هرعت للإنقاذ.

العصبية المفرطة.. الوجه الآخر لوطأة الإخفاق.

استهداف الجسور والبنى التحتية، والمدارس والجامعات والمستشفيات، والمنشآت الكهربائية والنفطية ومحطات تحلية المياه.. أقرب إلى أعمال الانتقام والتخريب، دون هدف سياسي سوى جعل الحياة مستحيلة تمامًا.

إنها جرائم حرب متكاملة الأركان.. بذريعة إجبار الإيرانيين على توقيع اتفاق «قبل فوات الأوان».

إذا ردَّت إيران بالمثل – كما تعهَّدت – فإن الإقليم كله سوف يدخل متاهات لا مخرج منها.

بفوائض الكراهية، فإن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يكون أمريكيًا.. كقوة عظمى متنفذة، ولا إسرائيليًا.. كقوة تفرض قيادتها عليه.

في مثل هذه الأجواء، يطرح سؤال الغروب نفسه.. على القوة العظمى الأمريكية، كما لم يحدث من قبل.

إثر الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم أيديولوجيًا واستراتيجيًا واقتصاديًا.. إلى معسكرين كبيرين.

تصارع على النفوذ قطبان عظميان؛ هما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.. فيما يُعرف بـ«الحرب الباردة»، التي انتهت بانهيار سور برلين وتقوُّض حلف «وارسو».. الذي كان يقابل حلف «الناتو» على الجانب الآخر.

بانفراد القوة الأمريكية بالنظام الدولي، تعرَّض العالم العربي – أكثر من غيره – لما يشبه التحطيم لصالح ما تطلبه إسرائيل؛ على ما جرى في العراق مثالاً.

تكاد تتقوَّض الآن.. جميع ركائز ومقومات القيادة الأمريكية المنفردة.. للنظام الدولي.

لم تكن الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا.. في بدايات الحرب العالمية الثانية، لكن عندما دخلتها بدت حاسمة.

بقوة الحقائق التاريخية، بذل الاتحاد السوفيتي السابق أدوارًا وتضحيات أكبر.. في دحر ألمانيا النازية، لكنه – لأسباب أيديولوجية – جرت محاصرته خلف جدار حديدي، وأُفسح المجال أمام القوة الأمريكية.. للتمدد إلى أوسع مدى ممكن.

بنت الولايات المتحدة نفوذها.. اعتمادًا على قوتها الاقتصادية؛ التي عبَّرت عن نفسها.. بالدور الذي لعبته في إنعاش الاقتصاديات الأوروبية المنهكة.. بأثر الحرب والخراب الواسع.

كان مشروع «مارشال».. مجرد مثال لنزوع سياسي، يعمل على الدمج الاقتصادي، وبناء تحالف غربي قوي ومتماسك.

كانت القوة العسكرية ركيزة ثانية؛ وقد تمثلت في إنشاء وقيادة حلف «الناتو»، وتحمُّل القسط الأكبر من تكاليف تمويله وتسليحه.

لم يكن تمويل «الناتو» عملاً خيريًا، بقدر ما كان عاملاً رئيسياً في بناء صورتها كقوة عظمى.

بدا للأوروبيين أن أفضل ما في خطاب «ترامب» – الذي ألقاه أخيرًا – عدم تطرقه إلى مستقبل حلف «الناتو»؛ الذي دأب على التلويح بالخروج منه.. ساخرًا من الحلفاء التقليديين.. إلى حدود غير معهودة في العلاقات الدولية؛ لدرجة التجريح الشخصي في الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، وطبيعة علاقته بزوجته.

بالمقابل كان رد «ماكرون» – رغم تهذبه – مهينًا للرئيس الأمريكي، ومنصبه؛ حيث وصفه بأنه «دون المستوى، ولا يستحق التعليق عليه».

كان ذلك تعبيرًا عن انهيار مروع.. في صورة ساكن البيت الأبيض.

لم تكن فكرة الانسحاب من حلف «الناتو».. جديدة على تفكير «ترامب»؛ تكاليفه.. لا أدواره هي كل ما يهمه.

عندما احتاج للحلف في إعادة فتح مضيق هرمز، قيل له: «هذه ليست حربنا».

فهو اتخذ قرار الحرب على إيران – مع شريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» – دون استشارتهم.

كما لم تكن هناك مشكلة في مرور شحنات النفط.. عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، والآن تكاد تتلخص أهم أهدافه.. في فتح المضيق؛ الذي لم يكن مغلقًا!

الأوروبيون لا يريدون التورط في الحرب، غير أنهم لا يملكون خطة بديلة مشتركة.. تحفظ أمن القارة بعيدًا عن الولايات المتحدة.

المثير للاستغراب والتعجب، إعلان «ترامب» أن بلاده لا تحتاج النفط الذي يمر من المضيق، وأنَّ على من لهم مصلحة في فتحه.. أن يعملوا على تأمينه!

بتوحُّش السياسات – حقبة بعد أخرى – تقوَّض ما كان يُسمَّى بـ «الحلم الأمريكي».. الذي جسَّدته هوليوود.. قبل أن تحل الكوابيس على العالم؛ خاصة الشرق الأوسط، بتبنِّي ما تريده إسرائيل كاملاً.

نذُر الغروب تتبدَّى الآن.. في فوضى مراكز التخطيط والقيادة، التي وصلت إلى إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي «القوات البرية» الجنرال «راندي جورج».. أثناء الحرب.

عندما تتكشف أسرار وحقائق ما جرى، سوف يظهر جليًا قدر الفوضى والتدخلات السياسية.. بشأن تطوير العمليات العسكرية، وتعريض الجنود الأمريكيين للخطر دون داعٍ – أو ضرورة – إذا ما جرى إنزال بري.. للحصول على اليورانيوم المخصَّب، أو لفتح مضيق هرمز بالقوة المسلحة.

على مدى 19 دقيقة، حاول «ترامب» أن يبدو واثقًا ومقنعًا.. في أسبابه لخوض حرب، تناهضها أغلبية مواطنيه في بلاده.. وفق استطلاعات الرأي العام.

كرَّر المقولات، التي دأب على ترديدها.. عن تدمير القوات الإيرانية، البحرية والجوية، وشل برنامجيها الصاروخي والباليستي؛ متعهدًا – لطمأنة الأسواق – بإنهاء المهمة خلال أسبوعين أو ثلاثة، دون أن يكون كلامه مصدقًا.

إذا كان قد حقق أهدافه من الحرب، فلماذا يواصل القتال؟

هل استهداف البنى التحتية.. يدخل في أهدافها؟

بدا خطاب الأزمة داعيًا لتأزيمها.. لا حلحلتها، والأداء الرئاسي مزريًا؛ حتى بدا سؤال غروب القوة الأمريكية إجباريًا.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة