نبيل عبدالفتاح
أحد الأسئلة الغائمة.. وسط جحيم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ هل ستؤدي نتائجها – أياً كانت – إلى تحفيز جماعات الإسلام السياسي عموماً، والراديكالي، للعودة إلى بعض من أعمال العنف مجدداً، أم ستستمر بعض سياسات الاحتواء والحظر في بعض الدول العربية؟
ما يدعو إلى طرح هذا السؤال الكبير – المفتوح على عديد السيناريوهات والمآلات – عديد الاعتبارات التي يمكن طرح بعضها فيما يلي:
- توظيف أطراف الحرب لبعض الرؤى والسرديات الدينية الخلاصية.. من ترامب ومَن وراءه من رجال الدين، والجماعات المسيحية الصهيونية، والمقولات التوراتية الأسطورية التي يعتمد عليها نتنياهو، واليمين الصهيوني، وغلاة المتطرفين، وأيضاً الخطاب الديني الشيعي الذي يسود دوائر، ومراكز الحكم الإيراني.
- الأسانيد الدينية باتت عنصراً في تديين الصراع الإقليمي، لاسيما في عقب حرب الإبادة الإسرائيلية للمدنيين في قطاع غزة، والعودة إلى صحوة نسبية في الخطاب السياسي الديني، لاسيما على بعض فضاءات الحياة الرقمية، وفي الواقع الفعلي في المساجد، وطقوس الصلاة.. إلخ.
- كثافة عمليات الاغتيال لقادة دينيين وعسكريين في إيران، وثلاثة مستويات قيادية في حزب الله، وبعض قادة حماس، والجهاد الفلسطيني. وتتزايد ردود الأفعال وسط البيئة الحاضنة لحزب الله، في ظل موجات الهجرة من الجنوب، والبقاع والضاحية الجنوبية إلى بيروت، وبعض المناطق اللبنانية الأخرى؛ حيث وصلت الأعداد إلى أكثر من مليون مواطن. يلجأ بعض القادة السياسيين لاستخدام النصوص الدينية.. شحذاً للهمم، وللتماسك الاجتماعي، وفي التعبئة الدينية والسياسية في عقب الهزيمة، ومعهم المؤسسة الدينية الرسمية – وبعض الدعاة، وأيضاً في لحظة النصر – افتخارا..ً إلى جانب الإشارة إلى التطور في الأداء القتالي، والتخطيط العسكري في الحرب على إيران على سبيل المثال.
- في الحرب على إيران وردودها في منطقة الخليج، ومواقع القواعد العسكرية الأمريكية وغيرها، يبدو بعض علامات التديين السياسي حاضراً بقوة بين أطرافها، وأيضاً بعض السجال الديني المذهبي السياسي – بين السنة والشيعة – يظهر حيناً، ويصمت ويتوارى حيناً آخر، ويتم تجاوزه نحو وحدة الدين، من بعضهم من رجال الدين، أو المؤسسات الدينية، أو دعم بعضها لبعض أطراف الصراع في منطقة الخليج. اللغة الدينية، والنصوص المقدسة والنبوية، توظف في بعض الخطابات على الواقع الفعلي، أو الحياة الرقمية، من بعض الجموع الرقمية الغفيرة، أو بعض المجموعات الرقمية المنظمة لبعض الجماعات الإسلامية السياسية، والسلفية. من ثم تطرح هذه البيئة المضطربة، وعدم الاستقرار السياسي في الإقليم، والمساجلات السياسية الحادة، عديد الأسئلة ومنها: هل ستؤدي مآلات الحرب إلى تحفيز وتنشيط الجماعات الإسلامية السياسية، والراديكالية السنية؟ هل ستتحول بعض المكونات الشيعية إلى ممارسات عنفية راديكالية في الإقليم، وفي العالم؟
ما أثر مآلات الحرب على السياسات الدينية في دول العسر العربية؟ ما هو موقف جيلي Z ، وألفا.. من الإسلام السياسي الراديكالي؟
سوف نحاول معالجة بعض هذه الأسئلة على النحو التالي:
أولاً: لا شك أن الأقنعة والخطابات الخلاصية المسيحية الصهيونية، والنزعة التوراتية الأسطورية الإسرائيلية – الرامية إلى ممارسة دور إقليمي إمبراطوري – تمثل تحفيزاً وتنشيطاً للنزعة الدينية الإسلامية السياسية، والسلفية، لأن النزعة الخلاصية لأطراف الصراع، خاصة عندما تظهر نتائج الحرب، والمعلومات حولها في حدها الأدنى وباعتبارات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وانتخابات الكنيست، وذلك بعيداً عن صخب التلفازات ووسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً الأخبار الكاذبة والمعلومات غير الدقيقة، والملفقة، ستظهر علامات صحوة نسبية للخطاب الديني، وبعض جماعاته.
ثانياً: يشكل تمدد الفكر السلفي المنظم والطوعي بيئة ملائمة للإسلام السياسي، وجماعاته، خاصة بعد خروج الإخوان المسلمين من سدة السلطة في مصر، والنهضة في تونس، وبعض العمليات الإرهابية في كلا البلدين، من ثم بات الفكر السلفي النشط أحد محفزات التمدد الناعم، وتاريخياً كانت هذه الجماعات بيئة ملائمة ووظيفية، للتجنيد داخل بعض الجماعات الإسلامية السياسية، ولأن بعض الفكر السلفي يمثل أحد المصادر المرجعية لجماعتي الإخوان في مصر والسودان، والنهضة في تونس.
من ثم يشكل التمرد الناعم الطوعي، وبعض المنظم، بيئة لدعم الجماعات الراديكالية، والسياسية، ويتم توظيف الأزمات الاقتصادية، والاجتماعية، في المد الإسلامي السياسي في ظل اضطرابات الإقليم ما بعد الحرب، وإعادة تشكيل مواقع القوة بين الدول العربية.
ثالثاً: يؤدي التمدد الناعم – ثم المسيَّس في ظل مرحلة ما بعد الحرب – إلى صعود جديد لعمليات تديين هوية بعض بلدان العسر العربية.. في مواجهة الدور شبه الإمبراطوري لإسرائيل، والدعم الأمريكي الكامل لها؛ وذلك كرد فعل نفسي واجتماعي جمعي في ظل الاضطراب، وعدم الاستقرار الإقليمي، خاصة بعد تهميش دول اليسر، وغالب العسر لمفهوم التضامن العربي، والعروبة السياسية، وعجز الجامعة العربية في عديد الأزمات والحروب في المنطقة.. في تحقيق غالب أهدافها السياسية والاقتصادية والتنسيق والتعاون العسكري… إلخ.
تديين بعض من أقنعة الصراعات الإقليمية والخطابات حولها – في حرب الإبادة بعد السابع من أكتوبر، وفي الحرب على إيران أمريكياً وإسرائيلياً – قد يؤدي إلى التحول من التمدُّد الديني الناعم.. إلى التمدد السياسي، وربما الراديكالي، ونشأة جماعات صغيرة وذئاب منفردة في إقليم مضطرب وغير مستقر، وجغرافيا سياسية على المحك، وعالم متحول، في ظل تنظيم دولي هش، وغير فعال، وقانون دولي مهمَّش لمصلحة قانون القوة الفائقة.. لدى رئيس غرائبي الفكر واللغة والسلوك، خارج مألوف التقاليد والأعراف السياسية بين الدول، ومعه إدارة الحزب الجمهوري، وطاقمه.. المحرض على لغة القوة في علاقات وسياسات الولايات المتحدة الخارجية.
نقلاً عن «الأهرام»