نيفين مسعد
أبعدتنا التطورات المتلاحقة للحرب بين إسرائيل/الولايات المتحدة وإيران.. عن متابعة العديد من الملفات الإقليمية المهمة، وفي طليعتها الملف الفلسطيني. وحيثما جرت المتابعة، فإن التطورات بالغة الأهمية، كمثل التطور الخطير الخاص بتصويت الكنيست على قانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، باتت تأخذ أوزاناً أقل مما تستحق بكثير.. من حيث التغطية ومن حيث الاستمرارية.
فالحرب الجارية حالياً، ربما تكون هي المرحلة الأخطر من مراحل تغيير خريطة الشرق الأوسط، فضلاً عن أنها تؤثر تأثيراً جسيماً على الاقتصاد الدولي، وتُنذر حتى بتهديد التحالف بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وفي نفس هذا السياق، مرَّ رحيل اليامين زروال، الرئيس الجزائري الأسبق، دون تفاعل إعلامي عربي واسع معه، بينما أن المتابع للشأن الجزائري، يعلم – علم اليقين – المكانة الوطنية الرفيعة لهذا الرجل. اليامين زروال.. هو واحد من الشخصيات السياسية القليلة التي تحظى باحترام كافة القوى والتيارات الجزائرية.. على اختلاف توجهاتها. وهو كأحد أبناء مدينة باتنة – التي تحتضنها جبال الأوراس، وتسكنها أغلبية أمازيغية (قبائل الشاوية) – إنما يمثل حلقة وصل بين أهم مكونين من مكونات الشعب الجزائري؛ العرب والأمازيغ.
كما أنه – وقد انخرط في حرب التحرير في مستهل حياته – كان حريصاً على استكمال تكوينه العسكري لاحقاً.. في عدد من دول الشرق والغرب. وكانت الكلية الحربية في مصر، من الأطر التي تلقى فيها تدريبه العسكري مطلع الستينيات. ولعل طبيعة البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها زروال، وتنوع الخبرات التي تعرَّض لها.. من أسباب التوازن الذي كان يميز شخصيته. إنه رجل المرحلة الذي يُستدعى في كل أزمة من الأزمات العصيبة، وعند كل مفترق طرق. وكانت البداية مع أزمة العشرية السوداء، اعتباراً من عام 1992، التي أغرقت الجزائر في دوامة من العنف، وهددت بانهيار مؤسسات الدولة.
كان الوضع حينها جد خطير، ويتطلب قائداً يمتلك القدرة على الموازنة بين الحزم الشديد.. في مواجهة التنظيمات الإرهابية. وبين الحكمة البالغة.. في الحفاظ على التماسك الوطني بين أبناء البلد الواحد. ومن هنا وقع الاختيار على وزير الدفاع اليامين زروال.. ليرأس الجزائر. لم يتردد الرجل في تحمُّل المسؤولية، التي اعتذرت عن عدم قبولها أسماء كبيرة، وصار زروال بالفعل.. رئيساً للدولة في عام 1994. وفي العام التالي مباشرة، قرر تنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ الجزائر، وفاز فيها، وحكم لمدة ثلاث سنوات، ثم نظم انتخابات رئاسية مبكرة – بسبب خلافه مع بعض أركان النظام الجزائري – وكان أن صعد عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الرئاسة في هذه الانتخابات.
المرة الثانية.. التي تم اللجوء فيها إلى اليامين زروال، كانت في عام 2013، عندما أصيب الرئيس بوتفليقة بجلطة دماغية.. شككت في قدرته على القيام بمهام الحكم، لكنه اعتذر قائلاً: إن شباب الجزائر أولى باستلام السلطة. أما المرة الثالثة والأخيرة.. فكانت في عام 2019، عندما اندلعت مظاهرات شعبية حاشدة، ودخلت الجزائر في أزمة سياسية ودستورية حادة. وفي هذه المرة، تلقَّى زروال عرضين لقيادة مرحلة انتقالية.. تمهد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، حيث جاء أحد هذين العرضين من بعض المشاركين في المظاهرات – التي تطلق عليها الأدبيات الجزائرية اسم «الحراك» – لكنه رفض.. من باب أن الحراك أولى به أن يفرز قيادة من داخله. وجاء العرض الآخر.. من بعض الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي الجزائري، لكنه كرَّر الرفض.. خوفاً من الالتفاف على مطالب الحراك، وأعلن موقفه الرافض في بيان نشرته الصحف الجزائرية.
ومن متابعة تطور علاقة اليامين زروال بالسلطة – منذ بداية التسعينيات وحتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين – يمكن لنا أن نستخلص أن النظر إليه.. باعتباره المنقذ وطوق النجاة للجزائر؛ قد مثَّل قاسماً مشتركاً بين الشعب والنخبة في آن واحد، وأنه لم يكن طالب سلطة، بل كان موقفه من تولي مسؤولية الحكم، يخضع إلى اعتبارات.. تجمع بين التقدير الموضوعي لطبيعة كل مرحلة، وبين الاعتبارات الذاتية المتعلقة بظروفه الصحية.
إننا إزاء رجل دولة من الطراز الأول، بادر – وهو في الحكم – بتعديل الدستور عام 1996، وفيه روعيت الموازنة بين قوة منصب رئيس الدولة.. وصلاحياته الواسعة من جهة، وبين تعزيز نظام اللامركزية من جهة أخرى. وفي هذا الإطار تم استحداث غرفة ثانية للبرلمان (مجلس الأمة) تُمثَّل فيها البلديات والولايات، وتُجدَّد نصفياً كل ثلاث سنوات، بما يوسع قاعدة مشاركة الجماعات الإقليمية في العملية التشريعية، ودون تمييز في الاختصاصات بينها وبين الغرفة الأولى (المجلس الشعبي الوطني).. التي تمثل عموم الجزائريين.
وفي نفس الدستور، أعيد تنظيم السلطة القضائية – بما يحقق المزيد من التدقيق في تقويم عمل جميع جهات القضاء الإداري – عن طريق استحداث مجلس الدولة؛ ليتشارك مع المحكمة العليا في عملية التقويم. ومع تطبيق الدستور، جرت الانتخابات التشريعية، وأعيدت من خلالها الحياة للمؤسسة البرلمانية.. بعد تطويرها، وكانت قد تعطلت مع بداية العشرية السوداء.
كما جرت أيضاً الانتخابات على مستوى البلديات والمؤسسات، ليكتمل بذلك البناء المؤسسي للدولة.. بينما هي في ذروة معركتها مع الإرهاب. وتقودنا الجملة الأخيرة، إلى تحليل النهج الذي اتبعه اليامين زروال.. في تعامله مع ظاهرة الإرهاب التي عصفت بالجزائر؛ فلقد بُني هذا النهج على مواجهة التنظيمات الإرهابية بكل قوة، وفي الوقت نفسه على حرمان هذه التنظيمات من تجنيد المزيد من الشباب لصفوفها. وفي هذا السياق، جاء صدور قانون الرحمة.. الذي فتح الباب لإعادة إدماج العناصر المسلحة؛ التي لم تتورط في اقتراف أي عمل من أعمال العنف، ولا شاركت في تهديد أمن الدولة واستقرارها.
وجدير بالذكر، أن هذا القانون هو الذي وضع الأساس للترسانة القانونية التي أقامها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة فيما بعد؛ قانون الوئام الوطني، وقانون المصالحة الوطنية، التي وضعت حداً نهائياً للعشرية السوداء.
عُرف عن اليامين زروال.. الترفع ونظافة اليد والتواضع، والقرب الشديد من عامة الشعب.. حتى كان ينادي بـ «الأخ اليامين».
وعندما غادر السلطة، عاد ليعيش في باتنة مسقط رأسه، وهو نفس المكان الذي أوصى أن يوارى فيه الثرى، وليس في العاصمة.. حيث مقبرة الشهداء والزعماء – كما جرت العادة – وكان له ما أراد.
رحم الله هذا المجاهد الكبير.. رحمة واسعة بقدر ما أعطى لوطنه، وأخلص في عطائه، وصادق العزاء للجزائر الشقيقة.
نقلاً عن «الأهرام»