Times of Egypt

الخيال والواقع في الشرق الجديد

M.Adam
أمينة خيري  

أمينة خيري

أعود إلى الشرق الأوسط الجاري تدشينه – لا رسمه – فقد تعدينا مرحلة التخطيط والرسم، وها نحن حالياً في مرحلة متقدمة جداً من وضع الأساسات، والبناء. وبحسب مآلات حرب إيران، قد نجد أنفسنا أمام تشطيب الواجهات.

هذا الشرق الجديد.. نتعامل معه كيفما شئنا؛ الغارقون في «لو كنا استبقنا»، و«لو كنا أيقنا»، و«لو كنا خططنا».. (نا الدالة على الفاعلين هنا تعود إلى دول المنطقة العربية ،على مدار العقود وباختلاف الأنظمة). 

لكنا اليوم استطعنا فعل كذا وكذا، ربما يظلون في غرقهم، أو يتنبه بعضهم إلى أن البكاء على الشرق المسكوب لا يغير الواقع، وأن الواقع يمكن تغييره فقط، أو على الأقل تقليص هوامش خسائره، عن طريق خلع رداء الـ«لو كنا»، والمُضي قدماً فيما هو آتٍ.. في ضوء الإمكانات والواقع وما يمكن عمله فعلياً، لا بحسب الخيال والحلم والوجدان.

تغيير الواقع – الجاري بناؤه بكل همة – لا يمكن أن يتم إلا بقلب المعادلات الجيوسياسية.. الدائرة رأساً على عقب. وهذا لا يحدث باستيقاظنا ذات صباح، لنقرر أن نقلبها. أو أن نهاتف مهندسي الشرق الجديد ونطلب منهم، أو نأمرهم بإجهاض مشروعهم الإقليمي الضخم.. لأنه لا يعجبنا، ولأنه يسلبنا تاريخنا وجغرافيتنا وهويتنا.

هذه أمور تستغرق جهد سنوات، وتوحُّد صفوف أمم ودول.. بناء على رؤى راسخة ومعرفة يقينية بأن لا أحد ينجو أو يغرق وحده، بل النجاة للجميع، والغرق كذلك للجميع. كما تتطلب توقف العمليات العنترية العنجهية العشوائية.. التي تقرر جماعات أو مجموعات اقترافها؛ سواء بحسن نية.. ظناً أنها تقوم ببطولات وإنجازات. أو بسوء نية، حيث تؤدي غالباً إلى مزيد من الخسائر، وتصب في صالح عملية تشكيل الشرق الأوسط الجديد؛ حيث تسرع وتيرتها، وتزودها بالأسانيد الدولية اللازمة، وحجج المظلومية المعدة سلفاً لتبرير ردود فعلها، والتي هي في حقيقة الأمر رسم المنطقة بحسب مخططاتها المسبقة.

انتظار المعجزات، والبحث في كتب التاريخ، واجتهادات رجال دين – في تعضيد السرديات الدينية فقط – لن يُجدي. بالطبع هذه وغيرها من الجهود المضنية.. من شأنها أن تقوِّي الأمل وتمعن في غرسه، وهذا مهم، لكنه وحده لا يحرر أمماً، أو يقلب موازين. هو قادر أن يدعم الاستراتيجيات والتحركات والأفعال السياسية والاقتصادية والعسكرية المدروسة والمخططة جيداً، ليعضدها، ويساهم في عمليات التعبئة المعنوية والروحية.

وإلى أن يتحقق ذلك، يجدر بنا التوقف عن الإغراق في الوهم. البعض يتحجَّج.. بأن الأطراف الأخرى تعتمد على قصص دينية وسرديات تاريخية، لكنها لا تعتمد على ذلك فقط، بل تسبقه بقوى فعلية.

… الإغراق في الوهم لا يؤدي إلا إلى حاضر مختل، ومستقبل مظلم.. لا يحمل سوى المزيد من الوهم والضعف والخيال.

ملحوظة أخيرة، مشاهدة فيديوهات الـ «AI» الساخرة من «الأشرار»، ومتابعة تحليلات وتدوينات وتغريدات السوشيال ميديا المشتعلة الملتهبة، لا تبني شرق أوسط جديداً، بل تساهم في تعميق صناعة الوهم.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة