مصطفى حجازي
أما وكأن الغبار يسكن.. وكأن مدَّ المواجهة قد انحسر.. فما الذي نحن بصدده؟ ما الذي بقي وما الذي ذهب؟.. ما الذي تبدد أو انكسر وما الذي انتصر..؟ لسنا بصدد جغرافيا مستعادة أو مفقودة.. ولا مقدرات دُمِّرَت أو حفظت.. ولكنا بصدد تغير عميق طرأ على موازين القوى وهياكل الدول.
كُتَب هذا المقال في لحظة بداية المفاوضات الأمريكية-الأولى الإيرانية في إسلام آباد، في يوم السبت الحادي عشر من أبريل الجاري.. وهي المفاوضات التي جاءت على أرضية إنهاك بادٍ في الجانبين.. فلا «ولايات ترامب المتحدة» باتت قادرة على الإمساك بخيوط المواجهة المشتعلة في الخليج العربي، وتداعياتها على اقتصاد العالم .. وأمريكا قبله. ولا إيران – الصلبة أيديولوجياً، المرنة البراجماتية تكتيكياً – تريد أن تبقى في وضع التصعيد والاستنزاف إلى ما لا نهاية؛ حتى وإن أظهرت التحدي والإقدام على الانتحار، ونحر الإقليم معها.
في الجولة الحالية من حروب الشرق الأوسط، وحين ينقشع الغبار سَيُكشَف عن مشهد لم نعهده. مشهد إقليمي.. أسَّس لميلاده تَسَيُّدُ المعلومة عما سواها.. ديباجته هي سقوط «السرية المطلقة» وانهيار الغموض. سطره الأول يقول.. أن «من يعرف أكثر.. يوجع ويردع«.
أطلت الملامح الأولى للواقع الجديد، يوم جرى ما جرى لحزب الله في بيروت. ومنذ عملية «البيجر» الشهيرة، ثم قطع الرؤوس بدقة وتتالٍ.. مثير للدهشة والحنق والشفقة في ذات الوقت.. كان الاختراق تحت الجلد – لحزب الله وجوقة السيد نصر الله ذاته – اختراق تجاوز فكرة «الجاسوس الكلاسيكي».. ليصل إلى سيطرة كاملة على الواقع الرقمي والفيزيائي، لحزب عقائدي صلب. ولتتحول المعلومة إلى سلاح «جراحي»، يقطع رأس الهرم دون الحاجة لهدر الموارد.. من أجل هدم الجبل بأكمله.
ما شكل القادم إذاً.. نحو أية مسارات.. أو تسويات أو صفقات؟
لا أظننا بصدد معاهدات سلام بالمعنى التقليدي، ولكنا نشرع في «هندسة أمنية جديدة»؛ فالصفقات التي تُطبخ الآن في الغرف المغلقة، تدور حول «تحجيم النفوذ.. لا اجتثاثه». كما تدور حول تكريس «شراكة الهيمنة» على الإقليم ومقدراته، واقتسام الردع على الأضعف.. دون الأقوى. ففي شأن ما يبقى وما يذهب.. ما نراه في قادم، هو إيران باقية وبعض من أذرعها. ولكن بصفقة تضمن «تقليم الأظافر» تقنياً وعسكرياً، بما يجعل من تهديد إسرائيل – حتى حين – مغامرة أقرب للانتحار، ولتكون المقايضة هي «النفوذ الإقليمي» بـ«الاستقرار الداخلي»؛ حيث تقبل طهران بتراجع تكتيكي، مقابل تخفيف الخناق الاقتصادي، وضمان بقاء النظام، وبعض من مرونة في الملف النووي. ليس في أي من ذلك.. محاولة لإسباغ صفة المنتصر على إيران، أو إنكار لما طالها من دمار، ولحق بمقدراتها العسكرية – وهي جوهر مشروعها القومي على مدار خمسة عقود – من تبديد. ولكن ذلك محاولة لقراءة منصفة عاقلة – غير عاطفية – لحقيقة مواقف وتوجهات أطراف الصراع.. كما انتهت إليه واقعاً بعد أكثر من 40 يوماً من الحرب.
ما هو غير قابل للإنكار، أن ساكن البيت الأبيض – ورغم كل الصخب والوعيد – قد أُسقط في يده على نحو أو آخر. ولم تستطع ماكينة التأثير والتدليس الإسرائيلية – بكل أساطينها من ميريام إديلسون.. إلى جاريد كوشنر.. إلى نتنياهو ذاته -، أن تقنعه بأي جدوى للاستمرار في «جنون الهدم من أجل الهدم»، كما تريده إسرائيل لإيران، بل ولكل دولنا العربية في الخليج. استفاق الرجل.. على أن كل ما توهَّمه من نصر حاسم، قد ذهب أدراج الرياح.. حين رأى النار تطال كل أوصال الشرق الأوسط، وتتمدد إلى الاقتصاد العالمي، وتصل إلى عتبات اقتصاده، وما يستتبعه من أثمان سياسية فادحة.. سيدفعها هو وحزبه في انتخابات التجديد النصفي، وأي فرص للاستمرار الجمهوري في البيت الأبيض.
لُُطِمَ «ترمب».. بما تبدَّى من صلابة الطرف الإيراني، وليس رخاوته.. كما أوهمه الإسرائيليون. ومن استعدادهم لرفع أسقف العناد والجنون.. إلى ما لم يتصوره.. وقد عَبَّر عن ذلك – بسذاجة شديدة – حين قال: إنه لم يكن يتوقع أن تقصف إيران جيرانها العرب، أو أن تغلق مضيق هرمز، وتوصد معه أبواب الاقتصاد العالمي. ومن عجبٍ، فقد تضافر مع شعور «ترمب» بالخيبة.. من تحقيق أوهام نصر سينمائي ساحق، يقطع فيه رؤوس الملالي.. لتبايعه الجماهير بعدها مرشداً جديداً، احترام مكتوم للقدرة التفاوضية الإيرانية، التي تفصح عن شريك صفقي.. يمكن أن يحقق معه مكاسب، أكثر من عدو سرمدي.
ومنذ تلك اللحظة – ومنذ أكثر من أسبوعين قبل ذلك – لم يكف ترمب عن تمهيد المخرج من المستنقع.. بادعاء أن النصر على إيران قد تحقق. وأن قدراتهم – كل قدراتهم – قد دُمرت، وأنهم قد جاءوا صاغرين، يطلبون الصفح والتفاوض. وهو ما أراد أن ينسجه في خياله.. توطئة لمخرج من حرب.. لم يحقق من أي من كامل أهدافها المعلنة شيئاً؛ فلا النظام تغير.. رغم قطع كل الرؤوس. ولا ارتدعت إيران – هي وأذرعها – عن القصف. ولا استطاع بعمليات خاطفة.. الحصول على اليورانيوم المخصب.
أما وقد يسكن الغبار، وسيسكن. ستكون منطقتنا قد عبرت جسراً بلا رجعة.. نحو واقع جديد. واقع لا يأبه إلا بمن يملك ناصية العلم، ويقدر على تطويع التكنولوجيا وبناء الشوكة. لقد أثبتت تلك الجولة من المواجهة، أن «الردع» ليس سلاحاً يُكَدَّس، بل قدرة على بناء المنعة العسكرية محلياً.. مهما بدا الفارق التقني مع الآخرين شاسعاً.
في تلك الجولة، انتصرت المعلومة على ضجيج الحشد. وانتصر التخطيط البارد.. على الاندفاع العاطفي. وبغير شك، انتصر فيها الكبرياء القومي واليقين.. بمعنى الوطن وحقيقة الانتماء إليه، مهما اختلت موازين القوة.
سيعيش الإقليم في ظل «سلام مسلح»، أو «تهدئة هشة».. لا فرق؛ فكلاهما ستحكمهما خوارزميات الرصد، قبل أن تحكمهما نوايا السياسيين. إن مستقبل الإقليم سيظل مرتهناً.. بمدى قدرة دُوَلِه – من الخليج إلى المحيط – على حيازة «شيفرة القوة».. بالتحرر المعرفي، وبالتحول من مستهلكين للتكنولوجيا.. إلى منتجين لها، ومن مستوردين للحماية.. إلى صانعين للردع. وقبل ذلك وبعده، مرتهناً بمدى الإيمان بجدوى العروبة.. كهوية جامعة، وفي حضور «سردية عربية» مستقرة.. تستشرف المستقبل، وما نريده لأنفسنا.. بلسان أصحاب هذا المستقبل، لا تماهياً في سرديات أخرى؛ توهُّماً بكونها بدائل.. لهوية قد ثبت عجزها.
المستقبل القادم – حرباً أو سلاماً – لن يقررهما من يملك ترسانة أكبر، بل من يحوز السيادة المعرفية، ويحوز هويته قبلها.
فَكِّرُوا تَصحُّوا..
نقلاً عن «المصري اليوم«