أحمد الجمال
بدأت الكتابة المنتظمة في الصحافة في الخامس من أبريل عام 1979، وكتبت زاوية يومية «عمود»، احتلت الركن الأعلى الأيسر في الصفحة الثالثة من جريدة الخليج الإماراتية. وبعد فترة قصيرة أوكلت لي المساهمة في كتابة افتتاحية الصحيفة، التي كان يتناوب التوقيع عليها مؤسسا الجريدة.. المرحومان الأستاذ تريم عمران، وشقيقه الدكتور عبدالله عمران. وصرت أجمع أحياناً كثيرة بين مقالي اليومي والمقال الافتتاحي، إضافة لتحرير صفحات الرأي.
وتنوعت معالجاتي.. وفق ثقافتي المحدودة، ولكن غلب عليها الطابع التحليلي السياسي، وما يصاحبه أحياناً من معارك ومشاكسات.. ترتب على بعضها التهديد بالقتل، والوعيد بالطرد، واللعنات من على منبر مسجد شهير.. كان يخطب فيه داعية سلفي سوري اسمه بكار، وسمعت بأم أذني صراخه.. بأن يمزقني الله شر ممزق، وأن ييتم عيالي ويأخذني أخذ عزيز مقتدر.. والمصلون من ورائه – ومعظمهم لا يعرف العربية – يؤمنون بآمين، وكانت مساجلات بينه وبيني، هو من على المنبر وأنا على صفحات الجريدة.
أما التهديد بالقتل، فقد جاء صريحاً واضحاً.. بعدما كتبت مقالاً أناقش فيه – وبلطف غير معهود – احتفالات العراق بعيد ميلاد «السيد الرئيس المهيب الركن صدام حسين»، إذ وجَّه لي القنصل العراقي في دبي دعوة.. لحضور احتفال في أكبر الفنادق بتلك المناسبة، ولم أذهب. وكتبت أن النفقات الباذخة كان يمكن أن توجه لأرامل وثكالى حرب العراق مع إيران، أو إلى أسر شهداء المقاومة الفلسطينية، أو إلى الأطفال العرب.. الذين لا يجدون جرعة حليب أو ماء نقي.
وجاء الرد على لسان السفير العراقي في أبوظبي آنذاك، حيث ظننت أنه سيشكرني، فخاب ظني عندما رشقني بسباب لي ولأهلي؛ أماً وأباً، وللصحيفة وللإمارة، وبالطبع قفزت الرداحة من عمق تكويني.. ورددت الصاع أطناناً من البذاءة، وتخيلت أنه أقفل الهاتف. ولكنه صاح قائلاً: «خلصت.. والله لأقتلك في عز الظهر يا كلب». ونطق الكاف «تشلب»! وتوالت التهديدات، ومعها إشادات غير موقعة، والقصة طويلة بعد ذلك.
وقبلها كانت واقعة التهديد المبطن بالطرد، إذ كتبت عدة مقالات عن السياسة الأمريكية، وأبديت الشماتة في حادث تفجير مقر المارينز في بيروت. ومن فورها، أرسلت السفارة الأمريكية في أبوظبي رسالة بالإنجليزية، ومعها ترجمة معتمدة بالعربية.. على ورقة السفارة، تندد فيها بكتابات الكاتب المصري فلان، التي تعبر عن عقده النفسية، ونزوعه الإرهابي، وتحذر سلطات الإمارات.. من أن تلك الكتابات تسيء إلى علاقات الشعبين الأمريكي والإماراتي، ووقعت الرسالة السيدة مارجري آن رانسيم، المستشارة بالسفارة، التي جاءت لمصر بعد ذلك.. قائماً بالأعمال. وكانت الواقعتان العراقية والأمريكية عام 1984.
أما الخطيب السوري السلفي زكريا بكار.. ذائع الصيت آنذاك، فقد كان ينتقد التوجهات السياسية القومية واليسارية، وضرب مثلاً عن مصر؛ قال فيه إنه بسبب هذه التوجهات.. انهزمت مصر في ظل حكم «عبد الخاسر»، وبالطبع لم يدرك أنه سقط سقطة مروعة، إذ كتبت أننا تعلمنا وقرأنا أن لله – سبحانه وتعالى – تسعة وتسعين اسماً، حتى جاء بكار وأضاف الاسم المائة، الذي أراد به سب وتحقير جمال عبدالناصر، فإذا به يصف الله – سبحانه وتعالى – بما ليس من صفاته ولا أسمائه، ولا يليق، وعليه فقد ضل وفسق، إن لم يكن قد كفر. ونُشر المقال، ليقف ذلك البكار في الجمعة التالية.. ليسب الكاتب المارق الفاسق، ويستنزل اللعنات عليه وعلى أولاده.
والواقعة الوحيدة الموثقة عندي.. هي رسالة السفارة الأمريكية، والرد عليها من جريدة «الخليج».. على صفحة كاملة، وصفت فيها الولايات المتحدة بالحليف الاستراتيجي.. لعدونا الصهيوني، ثم توالت تبعات «المعركة».. ببيانات من اتحادات الكتاب العرب، ومن طلاب جامعة العين، ومن آحاد بلا حصر.. يؤيدون فيها مواقف الصحيفة والكاتب. وربما أجد سبيلاً لنشر هذه الوثائق فيما أعده من مذكرات.. ناهيك عن معارك مع جمعية الإصلاح.. ذات التوجه الإخواني، وسيطر فكرها على مناهج وزارة التربية والتعليم آنذاك في الإمارات.
وذات مرة – وبينما أجلس في مكتبي – هاتفني زميلي وصديقي الأستاذ غسان طهبوب.. مدير التحرير، ناصحاً أن أجد سبيلاً للإفلات، إذ سيصعد باتجاهي وفد من جمعية الإصلاح، وهم في ثورة، وتبدو نيتهم في شر مستطير.
ولم أكد أغلق الهاتف وأتحرك، فإذا بالوفد يدخل.. ولا سلام ولا تحية، ولكن مباشرة: أنت فلان؟ لقد كتبت أمس مقالاً تهاجم فيه الإمام حسن البنا، وقد جئنا للقصاص له، ولا أدري من أين جاءني الهدوء.. الذي بدأ بإظهاري عدم التركيز معهم.. بتقليب أوراق أمامي. وصاح أحدهم: يبدو أنك أخرق الأذنين، والكلام يدخل من أذن ويخرج من الأخرى. ثم تحفز للاشتباك.
… ببساطة قلت: إنكم لم تلقوا السلام، ولم تستأذنوا للدخول، وليس هذا من الإسلام، وإنكم اصطنعتم لي عيباً خَلقياً؛ وهذا طعن على صنع الخالق القدير. ثم إنني كتبت ما كتبت، ونشرت معه الوثيقة الإخوانية.. التي استقيت منها الكتابة. وكانت رسالة من حسن البنا.. يهنئ فيها الملك فؤاد بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد العاشر لابنه فاروق، ويعلن مبايعته ولياً للعهد..
وتساءلت: هل يجوز شرعاً مبايعة صبي لم يبلغ الحلم، ليكون صاحب سلطة على المجتمع؟! (وقد حذف الإخوان هذه الرسالة من كتاب رسائل الأستاذ الإمام).
وخلاصة القول.. إن العبد لله كتب، وتعارك، وأوذي. وأيضاً.. اشتهر، وكسب.. عبر مسيرة طويلة، حتى وصلت إلى شبه عزوف.. عن الكتابة في الأحداث الجارية – وامتطاء صهوة السياسة والاستراتيجية -وتركها (أي الأحداث الجارية) لخبرائها الذين هم بغير حصر.
نقلاً عن «المصري اليوم»