عبدالله عبدالسلام
بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، تداعت إلى ذهني مقولة الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل: «الولايات المتحدة تبيع حلفاءها بثمن بخس، والأسوأ من كونك عدواً لأمريكا، أن تكون حليفاً لها». ترامب يدَّعي أن بلاده.. حققت نصراً كاملاً، وأن الاتفاق الجديد.. استسلام إيراني غير مشروط. المفارقة، أن أنصاره الجمهوريين وخصومه الديمقراطيين.. يؤكدون أنه هو من تعرَّض للخسارة. بالطبع، إيران أعلنت انتصارها. حتى نتنياهو.. ادَّعى أن إسرائيل حققت أهدافها وبقوة.
ماذا عن العرب؟ البعض منهم تحدث عن خروج بلاده منتصرة.. إلا أن الواقع، يؤكد أنهم أكبر الخاسرين، وأن تداعيات الاتفاق الأمريكي-الإيراني.. ستكون شديدة الوطأة عليهم.
المفاوضات الإيرانية-الأمريكية.. جرت في غياب عربي. بدا الأمر وكأنه صفقة ثنائية.. بين واشنطن وطهران. الملفات التي تهُمّ العرب – خاصة في منطقة الخليج – لم تظهر في مذكرة التفاهم. التركيز انصب على البرنامج النووي، وفتح مضيق هُرمز.. من أجل حل أزمة الطاقة العالمية. لم تتم الإشارة مطلقاً لأي ضمانات أمنية.. للدول التي تعرَّضت لهجمات صاروخية، وبالطائرات دون طيار.. خلال الحرب. التفاهمات كشفت حدود ما يمكن أن تقوم به أمريكا.. لمساعدة حلفائها. شعار: «أمريكا أولاً».. جرى تطبيقه بقوة.
… ترامب لا يهمُّه شيء، سوى الخروج من المستنقع الذي رمى نفسه فيه. أما الحلفاء العرب، فليسوا على أجندة اهتماماته. ليس هذا جديداً عليه. خلال رئاسته الأولى عام 2019، تعرضت دولة خليجية لهجوم صاروخي غير مسبوق. عندها قال ترامب: الهجوم كان على تلك الدولة، وليس على أمريكا.
لكن التخلي عن الحلفاء العرب.. في سبيل المصلحة الأمريكية، ليس جديداً. نَفْض أمريكا – في عهد باراك أوباما – يديها عن الأنظمة العربية.. خلال ثورات الربيع العربي، لا يزال في الذاكرة. تخلِّي واشنطن عن الأكراد في سوريا والعراق.. بعد استنفاد دورهم الذي حددته واشنطن، ليس بعيداً. مقولة: «أمريكا ليس لها حلفاء دائمون، ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة».. تتجسد على أرض الواقع. يجري حالياً هندسة خريطة الشرق الأوسط. ما يهم إدارة ترامب.. تحقيق المصالح الأمريكية، ولتذهب مصالح الآخرين إلى الجحيم.
المشكلة، أن العرب لا يتعلمون الدرس تلو الآخر. في عام 2016، صرح أوباما (الرئيس آنذاك) بأن على العرب أن يتعلموا.. كيف يتشاركون المنطقة مع إيران. الآن، ترامب يتفق مع طهران.. دون مشاركة العرب. وهو – رغم خلافاته مع نتنياهو – يمهد لكي تقضم إسرائيل جزءاً أكبر.. من «كعكة» المنطقة.
عقب كل أزمة، يخرج منها العرب بـ«خُفَّي حنين». تتصاعد الدعوات والمطالبات الحماسية.. بضرورة التضامن العربي، والاعتماد على الذات، وتنويع مصادر التسليح. وأيضاً، تنويع الشركاء الدوليين؛ من الصين.. إلى روسيا وأوروبا.. لكن لأن آفة حارتنا العربية.. هي النسيان، لا تغيير فعلياً يتم.
نواصل التعامل مع أمريكا، وكأن شيئاً لم يكن. نعود لإلقاء البيض كله.. في السلة الأمريكية. نصدق كلمات قادتها المعسولة.. عن الصداقة التي لا تنتهي بين العرب وأمريكا. نمارس «الوفاء السياسي» مع واشنطن.. غير الوفية بالمرة. نغفر لها بكرم حاتميٍّ أو بضغوط.. منها كل مساوئها. نردد مع العظيمة نجاة: «ما أحلى الرجوع إليه».
نقلاً عن «المصري اليوم»