أحمد الجمال
مع موسم تخريج مئات الألوف من الجنسين.. من المدارس والمعاهد، التي تمنح الدبلومات الفنية، ومن الجامعات والمعاهد العليا.. التي تمنح البكالوريوس والليسانس والعالمية؛ تتجدد المناقشة حول قضية الربط بين التعليم وسوق العمل؛ التي إذا استبعدنا منها.. منطق تحقير بعض التخصصات، والقول بأنها لا لزوم لها – كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا، وبقية التخصصات الاجتماعية والإنسانية – فستبقى قضية قائمة، وملحة بقوة.. في بلد يحاول النهوض، والوفاء لشعبه بمتطلبات الحياة؛ وعلى رأسها فرص العمل، وتوفير المأوى والمأكل والملبس والعلاج والتعليم وغيرها.
وهنا تثار مشكلة ازدواج النظام التعليمي في مصر، ووجود تعليم عام وتعليم أزهري، ولأن القاعدة الأصولية تقول: حيثما تكون مصلحة الأمة، فثم شرع الله. فإن مناقشة أوضاع التعليم الأزهري.. تبقى متاحة؛، لأن الكتابة عن الأزهر.. عند كثيرين ـ أنا منهم ـ كالمشي فوق حبل مشدود.. معلق أعلى حقل ألغام. ليس لأن الأزهر جهة مقدسة معصومة.. لا يجوز المساس بها، ولكن لأن لأولئك البعض – رحماً ونسباً معه.. من خلال آباء وأجداد وأقرباء.. درسوا فيه، ناهيك عن رحم الحركة الوطنية المصرية – سيبقى دور الأزهر.. الذي لا ينكره إلا جاحد.
وأبدأ بالقول.. إن الإيغال في تعقيد العلوم الشرعية، وجعلها طلاسم، تسبب في أمرين غير محمودين؛ أولهما: اضطرار المتلقي للحفظ والاستظهار، بدلاً من الفهم والتمحيص والإبداع. وثانيهما: ظهور نزعة الاحتكار.. لدى شريحة من البشر، قالوا عن أنفسهم.. إن هذا العلم علمنا، والطلاسم شفراتنا، وليس لأحد أن يقترب. وهكذا – شئنا أم أبينا – ظهرت شريحة أشبه بالكهنوت أو رجال اللاهوت، مثلما حدث في شرائع سبقت الإسلام في النزول. غير أن الأخطر والأشد ضراوة، هو أن ازدواج التعليم في مصر.. أدى إلى ازدواج ثقافي ووجداني. وإن جاز التعبير.. ازدواج أيضاً في منظومة المعايير، التي يقاس عليها وبها!
إنني أقاوم نزوعاً داخلياً عندي.. يشدني للغوص وراء الجذور القديمة لهذه الظاهرة؛ حيث صار رجال الدين من المتميزين اجتماعياً؛ حيث كان التراتب الهرمي.. يسمح بأن يكون الكهنة وقادة الجند والنبلاء على رأسه. وكان أن احتكر الكهنة ـ في فترات الاضمحلال خاصة ـ كل شيء؛ ابتداء من مغفرة الذنوب، وليس انتهاء باحتكار الشأن العلمي، حتى إن بعض المؤرخين – الذين اجتهدوا لمعرفة كيفية الانهيار الغامض للحضارة المصرية القديمة – يذهبون إلى أن احتكار الكهنة للعلوم والتطبيقات العلمية، أدى إلى أن يكون المجتمع جاهلاً.
إن الاقتصار في الأزهر الشريف.. على دراسة العلوم الشرعية، ورفض محاولة الشيخ حسن العطار( في القرن التاسع عشر) لتحديثه، كانت سبباً كامناً وراء التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ولعلنا نعلم أن هذا البلد.. الزراعي في الأساس، ظل يستخدم الشادوف ـ ذراع خشبية طويلة مزودة بحبل يتدلى منه وعاء من الأمام، وثقل حجري أو طيني في القاعدة ـ للري، ثم أدخل الإغريق الطنبور ـ أنبوب فيثاغورث – والساقية! وبقينا على الشادوف والطنبور والساقية أمداً طويلاً، ولم نعرف القناطر والأهوسة، ونظم الري المتقدمة نسبياً.. إلا مع التعليم المدني، وبعثات محمد علي إلى أوروبا!
بل إننا سنجد مقاومة للعلوم الحديثة.. حتى خارج الأزهر، وما قصة تحريم دروس التشريح في مدرسة الطب، وتصدي الإمام محمد عبده لمن قالوا بحرمتها.. إلا دليل مباشر وسريع على ما أذهب إليه!
لقد صار عندنا مرجعية.. تقول بالحلال والحرام، وأخرى تقول بالصحيح والخطأ.
وصار عندنا مرجعية.. تقول ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأخرى تقول كل يوم في شأن! وهلم جرا.
… حتى وجدنا من يقاوم دكتاتورية إسماعيل صدقي باشا، وفي مواجهته من يهتف: «واذكر في الكتاب إسماعيل، إنه كان صادق الوعد..!». بل وصل الأمر إلى ترتيب الصفوف في بعض المناسبات؛ حيث يتقدم المعممون، يليهم المطربشون (لابسو الطرابيش).. وبعدها حاسرو الرأس.
وصل الحال.. إلى أن يحتدم الجدل، ويتصاعد الصراع بالعراك الساخن.. حول مرجعية الدستور والقوانين. وعشنا في الأعوام القليلة المنصرمة.. الاشتجار حول هل هي الشريعة؟ أم هي مقاصدها؟ أم هي مبادئها؟ وكيف أن نائب رئيس الدعوة السلفية.. المسمى ياسر برهامي، أخذ يشرح – ذات مرة – كيف استطاعوا اختطاف تلك المادة الدستورية من الآخرين.. بعد أن أرهقوهم، وواصلوا الليل بالنهار. حتى إذا خلا لهم الجو، فازوا بما اختطفوا!
ولقد اقترحت من قبل، أن يبقى التخصص في العلوم الشرعية.. في نطاق دراسة جامعية وفوق جامعية – أي ماجستير ودكتوراه – ويتم توحيد التعليم العام لكل المصريين؛ ذكوراً وإناثاً، مسلمين ومسيحيين. وعندئذ تكون المعضلة، وهي: كيف التصرف مع آلاف المدرسين والمدرسين الأول والموجهين.. بدرجاتهم، والنظار والمدراء والإدارات والموظفين.. في مجال التعليم الأزهري العام؛ أي الإعدادي والثانوي، وبقية كليات جامعة الأزهر. وأقول: إنها يمكن أن تحل بمراحل انتقالية، وتتحول المعاهد إلى مدارس، ويعاد تأهيل المدرسين.. ليقوموا برسالتهم. بل، ما المانع في أن يتم توجيه بعض تلك الجحافل إلى مهمة – أراها من صميم خدمة دين الله – وهي محو الأمية.
نقلاً عن «الأهرام»