Times of Egypt

ودخول «البازار» مش زي خروجه..

M.Adam
مصطفى حجازي 

مصطفى حجازي

إذن فقد أتت حرب الأربعين يوماً.. إلى نهايتها، أو هكذا يبدو.

لم تكن تلك الحرب – التي خمد بركانها منذ أيام – مجردَ صدامٍ للنيران، بل كانت مختبراً لاستراتيجيات «حافة الهاوية»، وإدارة الأزمات المركبة التي ما زالت حممها تلهب العالم.

لم يَخلُ التوقيع على اتفاق مبادئ إنهائها.. من صخب معتاد للرئيس الأمريكي، وهو من كان يلهث خلف تلك الوثيقة لأسابيع.. وإن يغلف لهاثه بضجيج ووعيد.. فهو القائل بأن إيران هُزِمت عسكرياً.. ورُكِّعَت اقتصادياً.. وهو القائل كذلك أنه قد أنقذ العالم من عاصفة اقتصادية مدمرة وشيكة.. وذلك أصدق ما قال؛ معبراً عن مأزق الغرب، الذي دفعه للهرولة لإنهاء المواجهة.

لم يَخلُ الأمر كذلك.. من تشنجات معتادة من الحرس الثوري؛ تنديد بتهافت الاتفاق، وتأكيد على أن إيران قد انتصرت، وأن دحر الشيطان الأكبر قد بات وشيكاً.. وإن يخرج صقورهم ليؤكدوا أن بنود الاتفاق – بما فيها التبرؤ من حلم التسلح النووي – هو عين الانتصار.. في أصدق تعبير عن مأزق إيران، ورغبتها الحثيثة في إنهاء المواجهة كذلك.

إذاً.. فقد جاء اتفاق المبادئ.. عنواناً على «توافق المأزقين»!

ولكن – وبعيداً عن الصخب – ما الذي نحن بصدده؟

مَن الرابح والخاسر إيرانياً وعربياً.. أمريكياً وإسرائيلياً.. إقليمياً وعالمياً؟

دونما خلط لأوراق، أو مزج لعاطفة بعقل.. فليس في الإقرار بحصافة استراتيجية لإيران، أو القبول بحقيقة ما آلت إليه الأمور.. قبول بفعلها العدائي تجاه دولنا العربية، أو استحسان له. 

بدأت تلك الجولة – من جولات الصراع في الشرق الأوسط – بصلف أمريكي إسرائيلي معلن، وبعضٍ من مباركة إقليمية خفية.. بأهداف معلنة؛ تشمل إنهاء الحلم النووي الإيراني، وتدمير ترسانة الصواريخ الباليستية، وإنهاء القاعدة الصناعية المنتجة لها، وبتر الأذرع الإيرانية في الإقليم.. وأولاً وأخيراً.. تغيير نظام الحكم في إيران بقوة النيران، على نحو أو آخر.

قطعت أمريكا وإسرائيل رؤوس القيادة العليا في إيران.. منذ الساعات الأولى. قتلت الأطفال، ودمرت البنى التحتية، وتوهمت أن الأمر قد دان لها. 

… ولتبدأ إيران في إنفاذ عقيدتها الاستراتيجية المخبوءة؛ وتلك هي عسكرة الجغرافيا وتجييشها! تبدأ في توسيع دائرة الخسارة والألم. وتهدد أن تنتحر بالجغرافيا، وتنحر بها. ولتذهب إلى المدى الأبعد؛ وهو تحشيد «مضيق هرمز».. لتخنق بحبله اقتصاد العالم يوماً بعد يوم. ومنذ تلك اللحظة تحديداً، تبدأ المفاوضات الحقيقية، والجميع يختنق. وتتجلى دبلوماسية «البازار» الإيرانية.. في أكثر صورها مراساً.

تدخل واشنطن وإسرائيل المواجهة.. بـ«قائمة شروط» صلبة، وبوعيد مشفوع بتدمير وقتل على الأرض. بينما يقبع المفاوض الإيراني.. على عُقَدِ سجادته التفاوضية؛ يأبى أن يستعجله أحد، ويطيل أمد التفاوض.. مع تصعيد ميداني مدروس.

يفكك صانع السجاد عُقَدَ الشروط، ويخفض سقف الصلف الأمريكي.. من «تغيير النظام»، إلى «تغيير سلوك النظام». ثم إلى أمل «إدارة الأزمة الحالية الملحة».. وكفى.

تستغل طهران.. حساسية التوقيت السياسي في واشنطن، وضغط الرأي العام الغربي.. الرافض للحروب المفتوحة، والمناهضة الصينية الروسية.. للحرب، لتمارس سياسة «حلب الوقت».

تقطع إيران – بشكل شبه كامل – تدفقات النفط والغاز من الإقليم، حتى بعد أن حوصرت بالكلية.. من طرف البحرية الأمريكية. تخلخل سلاسل الإمداد، وترفع تكاليف الشحن والتأمين، وتحيل الناقلات العملاقة.. إلى سجون عائمة على مياه الخليج. ولتصل باقتصاد العالم – المتضخم بالأساس – إلى حافة انهيار غير محسوب العواقب. تجعل الأمر ناراً في حلوق الجميع، وهي تكاد تحتضر تحت الحصار.

وبعد أن تَخبُر إيران – في خضم المواجهة – تراجع تراتبية أمن دولنا العربية الخليجية.. على سلم أولويات الأمن الإقليمي الأمريكي، تمعن في إلحاق الوجع بتلك الخاصرة.. الرخوة في هيكلية تلك الحرب. ويؤتي ذاك التكتيك أُكُلَه؛ تتبصر دول الجوار الخليجي – رغم كل ما كالته من مسبات للنظام العربي والإسلامي – بحقيقة عدم الاكتراث الأمريكي بها.. فتتجه نحو دبلوماسية الاسترضاء المباشر مع إيران، لحماية بنيتها التحتية والنفطية والاقتصادية، مفضلة بناء شبكة أمان إقليمية.. بعيدة عن سراب الوعود الأمريكية.

وهنا توقن إيران.. أنها قد قلبت الدفة، نحو مسار هي من يرسمه.. أكثر منها مسودة مقودة فيه.

تنعكس تلك التوازنات الميدانية مباشرة.. على طاولة المفاوضات، فتُختزل مادة التفاوض.. من ملفات سيادية وأمنية معقدة، إلى عناوين إجرائية ملحة.. تكاد تمليها إيران كأمر واقع. الأنكى، أنه في يوم السابع والعشرين من فبراير الماضي – قبل يوم من بدء العدوان الأمريكي-الإسرائيلي في الإقليم – لم تكن حرية الملاحة في هرمز.. مادة للحديث؛ فذاك من المعلوم من القانون الدولي بالضرورة.. لتدور دورة جنون كاملة، وليأتي الإذعان الأمريكي بدور إيران.. كشرطي للمضيق، والقبول بفرض رسوم على .. تحت مسميات لزجة، ولكنها تبقى إتاوة عبور.. تعصف بمبدأ حرية الملاحة.

وأنه في يوم السابع والعشرين من فبراير الماضي، كانت دول الخليج العربي تتعاطى مع إيران بحرص ومهادنة.. لا تخلو من الريبة وفقدان الثقة، لتدور ساقية الحرب.. فتعصف بمقدرات دول الخليج، وتغير من هوية وجود بعضها؛ القائمة على الاستثمار في الأمان واليسر. ولتقدم دولنا الخليجية – على مذبح استعادة أرضية التعايش – وعوداً بتوفير ثلاث مئة مليار دولار.. لصندوق جبر ضرر العدوان على إيران!

وأنه في يوم السابع والعشرين من فبراير الماضي، كانت إيران تعتمد سياسة الإنكار المتعمد لحقائق تحريكها لأذرعها في الإقليم؛ مدعية استقلالية تلك الأذرع. ولتنتهى الجولة الحالية.. بنص معلن، عن وقف العدوان على كل الجبهات.. لبنان مشمولة فيه.

بل، وتتأجل جلسة التوقيع في جنيف – بين إيران وأمريكا – لغضب إيراني.. يشترط وقف العدوان الإسرائيلي بكل أشكاله.. على لبنان، قبل أية لقاءات احتفالية.

ولنأت الآن إلى ملامح المشهد الختامي للمواجهة..

في ميزان النصر والهزيمة.. بالمفهوم الاستراتيجي… 

إيرانياً، يعد توقيع الاتفاق الإطاري نصراً استراتيجياً.. أُحرز بالنقاطح بصمود حصيف.. أمام الآلة العسكرية الأعتى، وبقلب ميزان المواجهة التكتيكية، وفرض شروط «الإفراج عن الأموال، وفك الحصار.. مقابل رفع الحذاء الإيراني عن رقبة هرمز والاقتصاد العالمي»؛ مجهضة بذلك.. أوهام «الاستسلام الإيراني الشامل»، أو «تغيير النظام».

وإن كان ذلك، لا ينفي خسارة إيرانية مادية ثقيلة؛ كلفة بشرية واقتصادية باهظة.. جراء الضربات والحصار، وتدمير جُل بنيتها العسكرية.. تحت وطأة الحرب، فضلاً عن تأجيل طموحها المعلن.. للتحول إلى دولة نووية في المدى المنظور.

أمريكياً وإسرائيلياً.. فقد شُحِب سيناريو حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وضُمِن استقرار مؤقت لأسواق الطاقة، ووُضِعت كوابح على التخصيب الإيراني العالي.. يمنع المفاجآت النووية القريبة.. تلك هي الربحية.

أما عن خسائرهم، فلا تحتاج إلى تحليل بعيد؛ فبرغم كل الدموية والصخب والجنون، فقد تصدعت هيبة الردع الأمريكي.. مهما قيل غير ذلك. وتبدت محدودية واضحة للقوة الإسرائيلية، وتم القبول بالتعايش مع إيران.. ذات شوكة، بالإضافة إلى خسارة واشنطن لجزء وافر من ثقة حلفائها التقليديين في المنطقة، الذين رأوا في الاتفاق تفضيلاً للمصالح الأمريكية البراجماتية.. على حساب أمنهم المستدام.

إذاً، نحن هنا الآن.. بنهاية جولة صراع معقدة، بتسوية.. فرضتها معادلات القوة الصلبة على الأرض. لم يستطع أي طرف – من أطراف الصراع الأساسية – إلغاء الطرف الآخر؛ استطاعت فيها أمريكا.. إحداث أذى مادي مباشر بواقع الاقتصاد الإيراني، وليس بمستقبله. واستطاعت فيها إيران تحويل أوراق الضغط الجيوسياسية.. إلى مكاسب هيكلية. ولتخرج من الحرب كنظام إقليمي.. محصن باتفاقيات دولية، تحفظ أمنه، وتزكي تموضعه في النظام العالمي الجديد.

ولتخرج دولنا العربية.. بغياب أية مظلة حقيقية لها، في صياغة اتفاق يقرر في مستقبلها. وبقبول ضمني مُمَأسس.. للنفوذ الإيراني في لبنان – على الأقل – وبإخفاق إسرائيلي.. يريد أن يعوض خسارته على جبهة إيران، باستباحة المحيط العربي الرخو، وقتل الداخل الفلسطيني المحتل.

إذاً نحن هنا الآن.. والجميع أظنه قد عرف.. أن الأمم الحية لا تُهزَم..

ونحن هنا الآن.. والجميع أظنه قد أيقن.. أن «دخول البازار.. مش زي خروجه»!

فكروا تصحوا..

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة