أحمد الجمال
مع سطوع شمس الغد، يحتفل كثيرون بمرور 13 عاماً على ثورة يونيو، وعن نفسي.. فسوف أحتفي وأحتفل، حيث الاحتفاء شعور وجداني عميق، وحيث الاحتفال مظهر مادي علني، يتضمن فعاليات معروفة.
وسر الجمع بين الأمرين.. هو كيف ينظر المرء للأحداث، لأن الفرق كبير جداً بين التعامل مع الأحداث.. باعتبارها نقاطاً متصلة في خط بياني، متصل اتصالاً وثيقاً من بدايته.. ليصعد ويهبط، ولكنه غير متقطع.. بما يعني التراكم والإضافة. وبين التعامل معها كنقاط منفصلة.. كل منها قائم بذاته. وإن تصادف وكان لبعضها تداعيات؛ فإنها تتوقف عند حد معين، ليبدأ مسار آخر، وتتعدد النقاط المتجاورة.. ولكنها لا تشكل خطاً بيانياً؛ وهذا هو ما يسمى «الانقطاع» أو «التمزق».. في السياقات التاريخية، ثم هذا هو ما درج البعض على فعله.. بجهل. وتعمد غيرهم فعله، ليحرموا الأمة من التراكم والتحولات التاريخية.
ولذلك فإن ثورة 30 يونيو- في المنطق الذي أتعامل به – نقطة رئيسية في سياق متصل لتاريخ مصر الحديث والمعاصر، أثبت الشعب المصري فيه أنه من أكثر شعوب المعمورة وعياً وحراكاً سياسياً واجتماعياً، إذ الاتصال قائم.. منذ ثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد حملة بونابرت الفرنسية، ثم ثورة 1805 وتولية محمد علي، ثم 1882 بقيادة عرابي، ثم 1919 بقيادة سعد، وهلم جرا إلى 1935 و1946 و1952، وإلى يناير 2011، ثم يونيو 2013.
إن المحتفين المحتفلين.. يدركون حجم وعمق الأخطار والتهديدات التي أحاطت بمصر، وبعضها اشتد على أرض الواقع اليومي المعاش في تلك المرحلة، وكلها أخطار وتهديدات.. استهدفت الدولة الوطنية المصرية، وعمدت لتقويض كل المقومات الحضارية الثقافية والمدنية، التي تأسس عليها وجود الأمة المصرية، ولكن جهاز المناعة الوطنية المصرية – الذي يمثله جيشها ووعي القطاعات العريضة من نخبته وشعبها – بادر بإنتاج الأجسام المضادة ليحمي مصر، ولم يترك الفيروسات.. التي تسللت وهاجمت، وتمكنت من بعض المفاصل.. تستكمل فعلها، وكان التصدي والحسم والحفاظ على الوطن. ولعل من أهم ما يجعل أمثالي يحتفون ويحتفلون، هو أن الثورة حمت مصر من التآكل الداخلي؛ عبر التفتيت الديني والطائفي والمذهبي والاجتماعي، وعبر التفكيك الجهوي والتاريخي. بل بالعكس، استطاعت الثورة في يونيو.. أن تحمي الدولة الوطنية من الإرهاب الرهيب، الذي تكاثرت قواه وتعاظمت قدراته، وأعلن أنه سيعلن نواة الدولة المتأسلمة في سيناء، وسيسعى لضم مناطق أخرى.. حتى يسيطر على كل البلد ويحكمها لخمسة قرون.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، ولأنني ممن لا يزالون يعتقدون أن الدولة الصهيونية.. هي العدو الرئيسي. ولم تكن صدفة، أن يتأكد ذلك.. بما فعلته وتفعله في فلسطين، ولبنان وسوريا والعراق، وبما دأب أن يصرح به قادتها الإرهابيون العنصريون.. حول إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد. ولأنني كذلك، فقد استوقفني مقال أرسله لي صديقي الدكتور علي ضرغام – كتبه الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس يوم 21 يونيو 2026 – وهو كاتب اشتهر بمواقفه الجريئة.. المنتقدة بشدة للاحتلال الإسرائيلي، وسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه الفلسطينيين، وهو ممن يرون أن إسرائيل تمارس نظام فصل عنصري، ويدعون لمحاسبة قادة تلك الدولة.
وفي مقاله – الذي عنوانه: «لقد حقق دونالد ترامب حلمي.. أن تدفع إسرائيل ثمن أفعالها» – كتب عن التقاطع الذي وقع بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل، وقال إنه كان يحلم باللحظة التي سيجبر فيها الإسرائيليون.. على الاعتراف بأنه من المستحيل الاستمرار على هذا النحو.. بغطرسة لا تصدق تجاه الولايات المتحدة، واستخفاف صارخ بالعالم بأسره.. من دون دفع ثمن لذلك.
ويتوقع ليفي.. أنه لن يعود هناك بعد اليوم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض، يعتقد أنه يجب منح إسرائيل كل شيء دون شروط، وأنه عندما تعطي واشنطن الإشارة.. فستنضم أوروبا بحماسة، ومن الصعب تخيل كيف يمكن لإسرائيل أن تتدبر أمورها.. من دون العالم؛ فالعالم سينظر إليها بازدراء، كما فعل مع الدول المنبوذة الأخرى. ويستطرد جدعون ليفي.. في رصد عوامل التآكل الداخلي في دولته، وهنا، يحق لنا أن نتأمل.. كيف أن مصر قاومت خطة التآكل من الداخل، وأكملتها بسياسة خارجية فاعلة متميزة، وكيف أن الدولة الصهيونية تتآكل.. مثل النار التي تأكل بعضها.
نقلاً عن «الأهرام»