عادل نعمان
الكاتب الصحفي الصديق بشير حسن.. نبَّه وحذَّر من بيع هواء «البث» في بعض القنوات الفضائية، وذلك بمناسبة استضافة القاضي المزيف.. في إحدى هذه القنوات. ولأن هذه اللقاءات مدعاة لثقة المشاهد واطمئنانه، فإن دائرة النصب والاحتيال لا تكتمل إلا بها، ولم ينتبه أحد إلى مستواه الثقافي المتدني ولغته ولكنته الركيكة، التي لا تحتاج لكشف عوارها.. أكثر من ذكاء محدود.
والحق أقول لك يا صديقي: هذه القنوات – للأسف – كمن يؤجر شقة في عمارة راقية، يعبث فيها المستأجر كما شاء.. دون حسيب أو رقيب، وينشر على حبل غسيله.. ما يُفسد الذوق العام؛ فهذا شيخ يحدثنا منها عن الجن وأكله وشرابه، ويصدقه المشاهد، فينهض ليجهز للجن من العظام طعام العشاء. وهذا يؤكد مشاركة الجن للأزواج.. حين مضاجعة الزوجات، فاعتزل الرجال النساء. ومنهم من استعاض بسُم النحل، والطيبات من الغذاء.. للتداوي من الأمراض؛ حتى أن البعض ينصح بإغلاق كليات الطب والمستشفيات، وأن نكتفي بتربية النحل في البيوت. ومنهم من يحفز البسطاء للتبرع لبناء المساجد، أو وصلات المياه للمعدمين.. إلى زراعة النخيل، ويزف لهم بشرى الرضا والرزق الوفير.
… كل هؤلاء بلا رقابة أو مساءلة أو محاسبة.
وأخطر صور بيع الوقت، هو غياب الرقابة المهنية على موضوعات البث؛ فيقع عدد من المشاهدين أسرى الأفكار المتطرفة المضللة، والآراء الكاذبة، والمعتقدات المغلوطة، وتقديرات المواقف الخاطئة. وزاد عليها.. السقوط في براثن النصب والاحتيال، وفريسة سهلة للجهل والجهلاء؛ تارة في رأي شيخ متطرف.. يهدم كل قيم السلام المجتمعي، والوفاق بين الناس. وأخرى في صورة جمع تبرعات.. لمشروعات خير وهمية، تستند إلى صور وفيديوهات.. ليس لها من الحقيقة والصدق نصيب. ومنهم من يقع في براثن شركات تحت بير السلم.. تصنع له الوهم في الفحولة والرجولة، وبيع أجهزة كهربائية رخيصة الثمن والجودة.. تحت علامات تجارية مشهورة.
طالت هذه البرامج.. الطب أيضاً، حتى لترى كشفاً لبعض الأطباء.. يزيد عن معدل الأطباء بمراحل؛ معتمداً على ظهوره في هذه القنوات، وربما كان أقلهم شأناً وخبرة وعلماً. ولو كلف الإعداد نفسه في أمر المستشار المزيف، وظهوره في إحدى القنوات، وراجع طريقة حديثه ومخارج ألفاظه.. لكان قد أوقفه على باب الاستديو، ومنعه من الظهور. إلا أن الحقيقة المؤلمة – في المستوى الثقافي والمهني – عند الغالبية التي أصابها العطب.. من الضيف، إلى المعد، حتى المحاور.
وأتعجب، كيف تجاوز هذا الجهل كل هؤلاء؟ إلا إذا كان الوعاء مستطرقاً!
هذه الظاهرة المعيبة.. هي عاقبة غياب حرية الرأي والتعبير والفكر، وحرية تداول المعلومات، وإغلاق المجال.. في وجه الكفاءات والخبرات المهنية والعلمية والأخلاقية، والاكتفاء بالوساطة والمحسوبية، وتقييد حركة المؤسسات والمواقع الإعلامية، وكذلك عدم توفير التمويل اللازم لهذه المؤسسات، والاحتكارات في العمل الإعلامي.
وأخطر نتائج هذا الغياب.. هو الإفلاس المادي والإعلامي على السواء، فتلجأ هذه القنوات إلى بيع الوقت. والإفلاس المادي معروف وملموس، أما الإفلاس الإعلامي.. فحدث عنه ولا حرج. وبالتالي يصبح الإعلام عاجزاً مفلساً مسلوب الإرادة؛ مفلساً ببرامجه الرديئة، مفلساً بملاحقته أخباراً تافهة.. من طلاق الفنانين وزواجهم، والتحرش في الحفلات والمناسبات، مفلساً بصناعة برامج تضر ولا تفيد.
وفي الوقت الذي يتجاوز فيه الإعلام الخارجي حدود الزمان والمكان، ما زلنا نقف على الأعتاب.. ندق الأبواب الموصدة، ولا مجيب! والعيب كل العيب فينا، وليس في غيرنا؛ فليس من سبيل لإعلام متميز، إلا بحرية الرأي والفكر، وليس من طريق لإبداء الرأي الصواب، إلا بتوافر المعلومة في حينه، وإلا يلجأ المواطن إلى مصادر أخرى لمعرفة الحقيقة.. ربما تكون صادقة أو كاذبة، أو ذات أغراض خاصة. ثم نتساءل، لماذا يلجأ المواطن إلى هذه القنوات المشبوهة؟
ومن نتائج هذا الإعلام الهش المفلس، أن يقع المواطن في حيرة.. بين مهاجم ومدافع، دون إقناع أو بينة. وينتهي الأمر إلى انقسام المجتمع.. الكل يشد في اتجاه دون إثبات.
لا حل يا صديقي للخروج من هذا المستنقع.. إلا ببناء مؤسسات إعلامية حرة مستقلة دون قيود.
(الدولة المدنية هي الحل)
نقلاً عن «المصري اليوم»