د. نيفين مسعد
حرصَت التصريحات الرسمية للدول الثلاث.. السعودية وباكستان وتركيا، على تأكيد أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ليست موجّهة ضد أي دولة، وأنها تهدف لتعزيز الردع المشترك، وتطوير أوجه التعاون الدفاعي المشترك.
ومع ذلك، ظلت إيران هي الحاضر الغائب.. في كثيرٍ من التحليلات.. المهتمة بالبحث عن العدو.. الذي تتحسّب له الاتفاقية، وتهدف إلى ردعه. ويعود التركيز على إيران.. إلى طبيعة الأجواء التي كانت سابقة على عملية التوقيع؛ التي شهدَت تصعيداً في التوتر بين المملكة العربية السعودية من جهة، وإيران وحلفائها في المنطقة من جهة أخرى. لكن هذا لم يمنع من توسيع التحليلات.. لدائرة مصادر التهديد التي تستهدفها الاتفاقية بالردع، لتشمل إسرائيل والهند.
وعندما ننتقل إلى موقف إيران نفسها من الاتفاقية، نستطيع أن نميّز بين ثلاثة اتجاهات أساسية.
الاتجاه الأول: هو الاتجاه الرسمي للدولة.. الذي رأى أن الاتفاقية تمثل تطوراً إيجابياً بالنسبة لإيران، لأنها تثبت تهافت الادعاء الأمريكي.. بتوفير الأمن لدول المنطقة.
وفي هذا السياق، اعتبر عباس عراقچي – وزير الخارجية الإيرانية – أن الاتفاقية تمثل نموذجاً لاعتماد دول المنطقة على قدراتها الذاتية، بعيداً عن القوى الخارجية. كما قال إسماعيل بقائي – المتحدث باسم الخارجية الإيرانية – «إن توقيع اتفاقية مكة، يشير إلى تحوُّل في إدراك دول المنطقة.. بأن الأمن ليس سلعةً قابلةً للشراء». واستطرد قائلاً.. إن إيران لا تشعر بالقلق من جيرانها الثلاثة – الذين تربطهم بها روابط دينية وحضارية عميقة – وبالتالي، فإن أي اتفاق بينهم.. لن يكون موجّهاً ضدها.
وعندما يتحدث بقائي عن تراجع الثقة الخليجية.. في المظلة الأمنية الأمريكية، فإن هناك العديد من الشواهد – السابقة على توقيع اتفاقية مكة – التي تعزز كلامه. ومن هذه الشواهد.. اتفاقية الدفاع المشترك بين قطر وتركيا، التي دخلَت حيّز التنفيذ في 2017، واتفاق الدفاع المتبادل الاستراتيجي بين السعودية وباكستان في 2025، والإطار الدفاعي الاستراتيجي بين الإمارات والهند في مايو 2026.
… هذا، فضلاً عن اتجاه دول الخليج.. لتنويع مصادر سلاحها؛ سواء من أوروبا، أو روسيا والصين وكوريا الجنوبية وغيرها. أي إننا إزاء محاولات متزايدة.. لإيجاد نوع من التعددية في الأطر الأمنية، التي ترتبط بها دول الخليج.
الاتجاه الثاني: لديه عدة مبررات للقلق من توقيع اتفاقية مكة. وأحد هذه المبررات، هو أن الدول الثلاث.. حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي جعل الدكتور محسن فرخاني – أستاذ العلاقات الدولية – يذهب إلى أن الاتفاقية.. هي جزء من إعادة ترتيب الأطر المرتبطة بالنفوذ الأمريكي، وليست بديلاً له.
وفي الواقع، فإن أيّاً من الدول الثلاث.. لم يطرح فكرة الإحلال والتبديل للعلاقة مع الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن كلام عراقچي.. عن اعتماد المنطقة على قدراتها الذاتية، والابتعاد عن القوى الخارجية.. هو نوع من التفكير الرغائبي، الذي لا ينطبق على الواقع.. في حدود المدى المنظور.
فلقد كان هناك تأكيد تركي – من البدايه – أن اتفاقية مكة.. ليست بديلاً لحلف شمال الأطلسي، كما أن استهداف مقرات الحشد الشعبي، والفصائل العراقية المسلّحة.. تم بعملية عسكرية سعودية-أمريكية مشتركة. كذلك يوجد مبرر آخر للقلق، ينبع من اقتصار الاتفاقية على ثلاث دول. صحيح أن الاتفاقية مفتوحة.. لانضمام المزيد من الأعضاء، لكن عدم عضوية إيران فيها من البداية.. يثير التساؤل؛ خاصةً أن إيران لها العديد من مشروعات التعاون الإقليمي الأمني.. التي لم تتوقف عن طرحها على دول الخليج.
ويمكن تشبيه هذا الوضع – الذي انتهى بتوقيع اتفاقية مكة، وتجاهُل الصيغ الأمنية الإيرانية الجاهزة – بالمسار الذي وفّرته سلطنة عمان لمرور السفن في مضيق هرمز، بينما كانت إيران قد حدّدت ثلاثة مسارات بحرية.. تلتزم بها السفن على سبيل الحصر.
فلم يكن المسار العُماني – من حيث المبدأ – ضد المسارات البحرية الإيرانية، لكنه كان يسحب من إيران ورقة المبادرة. وبالمثل، فإن اتفاقية مكة.. ليست بالضرورة ضد إيران، لكنها تنشئ ترتيباً أمنياً يُفقدها – حتى لو انضمت له لاحقاً – عنصر المبادرة.
وتعببراً عن هذا التفكير، يتساءل الدبلوماسي الإيراني محمد علي سبحاني.. عن سبب غياب إيران عن اتفاقية مكة، ويدعو لمنظومة إقليمية أمنية واسعة، ويذكّر باقتراح 2+6 الذي طرحته إيران ويجمعها مع دول الخليج والعراق، وينتهي للقول.. إن أي ترتيبات أمنية دائمة، ستظل ناقصة.. من دون مشاركة إيران ومصر؛ وهو ما يعني.. أن عضوية هاتين الدولتين لازمة في الحدّ الأدنى، لضمان فاعلية أي منظومة أمنية.
أما المبرر الأخير للقلق، فهو ذلك المرتبط بأن الدول الثلاث – الأعضاء في اتفاقية مكة – تمثل تكتلاً سنياً كبيراً، يحيط بإيران؛ فهي معاً.. تمثل نحو 380 مليون نسمة، وهذا ثقل سنّي معتبر.. يتحدّى مشروع الهلال الشيعي، ويمثل ضغطاً على الأقلية الشيعية في دولة مثل باكستان، ويزيد من الاحتكاك الطائفي المتواتر أصلاً.. فيها. هذه النقطة يشير لها الكاتب الإيراني سيد عبد الله متوليان.. بحديثه عن: المحاولات الرامية لتشكيل «جبهة سنّية موحّدة»، تحل الخلافات التاريخية والسياسية بين دولها.. عبر «ثنائية الشيعة والسنّة». وإن رأى متوليان، أن المصالح الوطنية المتناقضة للدول السنّية الثلاث، ستقف حائلاً دون قيام هذه الكتلة، داعية للتعامل بواقعية مع الاتفاقية،وهذا ما ينقلنا للاتجاه الثالث.
الاتجاه الثالث: (والأخير).. يقلل من أهمية الاتفاقية، ويعتبر أنها لن تضيف شيئاً للاتفاقيات المماثلة السابقة، خصوصاً مع اختبار رد الفعل الباكستاني.. في الجولة الثانية من الحرب على إيران، وتحوُّل إسلام أباد.. من دور الحليف إلى دور الوسيط. وفي هذا السياق، تستعرض الكاتبة ميريام سينائي – في مقال مهم لها – نماذج من هذه الآراء.. التي تستخف باتفاقية مكة؛ بوصفها مجرد «اتفاق ورقي» – أو «مسرحية سياسية» – كما تستعرض على الجانب الآخر.. تحذير أطراف مختلفة، من أن الاستخفاف بالاتفاقية.. قد يمثّل خطأ استراتيجياً، تدفع إيران ثمنه باهظاً له؛ لأن الاتفاقية ترفع تكلفة الهجوم على أي من أطرافها، وتمثل رادعاً له.
وما بين الردود الدبلوماسية الرسمية.. على اتفاقية مكة، والردود غير الرسمية.. التي تتعامل معها؛ إما بالتهويل أو بالتهوين، يجدر بنا التوقّف في مقالٍ لاحقٍ.. أمام الطرح الذي قدمه محمد جواد ظريف – وزير خارجية إيران الأسبق – نظراً لأهمية الشخص، وجدارة طرحه بالمناقشة.
نقلاً عن «الأهرام»