تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

د. سمير رضوان.. المثقف الحائر

M.Adam
زياد بهاء الدين 

زياد بهاء الدين

رحم الله الأستاذ الدكتور سمير رضوان – الاقتصادي، والمفكر الاجتماعي، والخبير الدولي، ووزير المالية الأسبق – وأسكنه فسيح جناته. 

سنحت لي الفرصة أن أعرفه عن قرب لسنوات، تعاونت خلالها معه مرتين، حينما شغل موقع المستشار الاقتصادي لهيئة الاستثمار (2004/2007)، ثم لهيئة الرقابة المالية (2009).. خلال فترات رئاستي للهيئتين. ولكن علاقتنا امتدّت لسنوات طويلة.. قبل ذلك وبعده؛ فكان دوماً صاحب ابتسامة هادئة، ونبرة مطمئنة، واستعداد للحوار والتواصل مع الشباب.. بندية وتواضع. 

ولهذا، فقد قضى معظم حياته المهنية خبيراً مرموقاً.. في منظمة العمل الدولية بمدينة «جنيف»، وله في المجال كتابات، وإسهامات قيمة. ولكني أصنّفه ضمن الاقتصاديين الاجتماعيين؛ وهو وصف فضفاض، لا يعبر عن مدرسة اقتصادية بعينها، وإنما عن منظور يتجاوز أدوات التحليل الاقتصادي.. إلى تقدير الجوانب الاجتماعية والإنسانية لكافة الظواهر الاقتصادية، والشعور بالمواطن العادي في تناول أي موضوع. 

في هيئة الاستثمار، قاد الدكتور سمير جهداً بحثياً – مع مجموعة من الخبراء – بغرض التعرف على أسباب «عدم تساقط ثمار النمو» في المجتمع، برغم تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، وزيادة معدلات الاستثمار. (هل يبدو لكم السؤال مألوفاً ومتكرراً بعد كل هذه السنين؟). 

قادتنا هذه الرحلة البحثية.. للنظر في طبيعة الاستثمار ومؤشراته، وتوزيع عوائده، ودراسة حالة منطقة الكوثر الصناعية في سوهاج. 

المجال لا يتسع هنا لعرض الدراسة، ولكن الذي حدث أنها – برغم تضمُّنها لنتائج، وتوصيات فيها انتقاد للسياسات الاقتصادية – فإن وزير الاستثمار آنذاك..، الدكتور محمود محيي الدين، تحمس لنشرها على نطاق واسع.. كي يدور حوار مفيد حول هذه الإشكالية، ولكن – في النهاية – تعثر النشر، ولم تخرج الدراسة للنور. وما زالت قضية الفجوة بين تحسن الاقتصاد الكلي، وتدهور مستوى معيشة المواطنين.. شغلنا الشاغل. 

… بعيداً عن تعاملي مع الدكتور سمير، فقد كنت أراه معبراً عن الحيرة، التي يقع فيها الاقتصادي، أو الباحث والمفكر بشكل عام؛ حينما يقترب من السلطة، أو يصبح جزءاً منها؛ فيعيش التناقض الهائل.. بين ما هو مطلوب، وما هو ممكن.

الدكتور سمير تركنا.. في هيئة الرقابة المالية في منتصف 2010 بعد تعيينه عضواً في البرلمان – قبل ثورة 25 يناير بشهور – ثم رئيساً للجنة الاقتصادية بمجلس الشعب. وكانت فترة وجيزة، ولكنه حاول خلالها.. أن يتبنى مناقشات جدية في اللجنة، ويرفع مستوى التقارير الصادرة عنها.. ويتيح للمسؤولين مساحة لحوار حقيقي مع أعضاء البرلمان. ولا أستطيع أن أصف تجربته بالناجحة، ولكنه بالتأكيد اجتهد في وضع أفكاره موضع التطبيق. 

ثم شاءت الظروف – بعد الثورة بأسابيع – أن يتولى منصب وزير المالية لشهور معدودة، ولكن في ظل أوضاع بالغة الصعوبة والاحتدام؛ حكومة مؤقتة، ومظاهرات في الشوارع، وأمن غائب، ومخاوف من انهيار اقتصادي. كثيرون انتقدوا – فيما بعد – قراراته بالتوسع في الإنفاق، وفي التعيينات الحكومية، وفي طمأنة الرأي العام.. ربما بأكثر مما كان واقعياً. ولكن الحقيقة، أن «من يده في الماء، ليس كمن يده في النار». ولا أظن أن من ينتقدونه على قراراته – ولو كانوا محقين من الناحية الاقتصادية المحض – قادرون على تصور المصاعب، والضغوط العملية والسياسية والأمنية.. التي كان عليه أن يتعامل معها، ويوازن بينها.. كي يستمر الاقتصاد دائراً. 

يؤسفني أنني لم ألتق بالدكتور سمير بعد ذلك بالقدر الكافي، وقد كان مقلاً في الظهور العام، كما كان متنقلاً بين القاهرة وجنيف. ولكن ستظل له – عند أصدقائه وزملائه وتلاميذه – مكانة كبيرة ومحبة دائمة. خالص العزاء لأسرتة ومحبيه.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة