عبدالله عبدالسلام
لم يعد الذكاء الاصطناعي يطاردنا، ويستهدفنا.. فقط. إنه يُجبرنا على مساعدته.. كي يحل محلنا قريباً. يبدو البشر مستسلمين لمصيرهم. لا ينقصهم سوى رفع الراية البيضاء.
في أحد مصانع الملابس القريبة من العاصمة الهندية، طلبت الإدارة من العمال والعاملات، تثبيت كاميرات صغيرة على جباههم.. قبل بدء نوبات عملهم. لم يشرح أحد لهم السبب. تُسجل الكاميرا كل صغيرة وكبيرة.. من تصرفات العمال؛ وهم يخيطون القمصان والبنطلونات. حركة أياديهم وكيف يمررون القماش.. عبر ماكينات الخياطة. السرعة التي تُصحح أصابعهم بها.. الطيات والعيوب. حتى أحاديثهم الجانبية مع بعضهم.
بدا الأمر مضحكاً في البداية – كما ذكرت صحيفة «الجارديان» في تحقيق استقصائي – لكن سرعان ما تغير الجو. اعتقد العمال أن الإدارة تراقبهم.. لكي تعرف هل يعملون بجد أم لا؟ الكلام بينهم قل. التركيز فقط.. على العمل؛ خشية أن تسجل الكاميرات كل شيء. شعر العمال بالحيرة، وعدم القدرة على التصرف السليم.
«لاليتا»، إحدى العاملات، ذهبت بالكاميرا فوق جبهتها إلى دورة المياه. شعرت بالخجل. سرعان ما ظهرت الحقيقة. إدارة المصنع اتفقت مع إحدى شركات جمع البيانات.. على وضع الكاميرات على رؤوس العمال، لتسجيل كل تصرفاتهم.. حتى يمكن بعد ذلك تحليلها، وتزويد «الروبوتات» بها.. عندما تحل محل البشر، في العمل بالمصانع كثيفة العمالة. المفارقة أن أصحاب المصانع يحصلون على مقابل مادي مُعتبر، لكنهم لا يُعطون العمال شيئاً. يقولون إن ذلك جزء من عملهم، وأن تكاليف العمالة تتزايد، وهوامش الربح مُعرضة للخطر. إذا زادت التكاليف أكثر.. فقد يتم إغلاق المصنع، أو خفض العمالة. وبالطبع، العمال لا يستطيعون الرفض.. خوفاً من فقدان أعمالهم.
سوق جمع البيانات البشرية.. لتغذية الذكاء الاصطناعي بها ،ازدهرت بقوة خلال الفترة الماضية. شركات الروبوتات.. تقول إنها بحاجة إلى مئات الملايين – وربما المليارات – من ساعات تصوير النشاط البشري الحقيقي.. في المصانع والمستودعات والمتاجر، وحتى المنازل.. قبل أن تعمل الروبوتات بثقة في بيئات العمل الحقيقية. وترى هذه الشركات.. أن بلاداً مثل الهند وبنجلاديش وباكستان – وغيرها من دول جنوب آسيا – بيئة نموذجية للحصول على هذه البيانات والمعلومات، نظراً لأنها ورشة العالم للصناعات كثيفة العمالة. كما أن تكلفة جمع المعلومات.. رخيصة للغاية. يتم دفع مبلغ معين لأصحاب المصانع؛ الذين يُجبرون العمال على أن يكونوا.. حيوانات تجارب. في أمريكا يحصل العامل على 30 دولاراً في الساعة.. لوضع الكاميرا على جبهته، بالإضافة – طبعاً – لأجره من العمل الأصلي.
قبيل منتصف القرن 19، تمرد العمال في بريطانيا على الآلة، وحاولوا تحطيمها.. لخوفهم أن تحل محلهم. الآن، يقوم العمال مُجبرين بالمساعدة.. في تهيئة الظروف للذكاء الاصطناعي وروبوتاته.. لكي يؤدي وظائفهم، ويتصرف مثلهم بالضبط. العمال يدركون أنهم – رغماً عنهم – أصبحوا جزءاً من عملية الإسراع بنهاية العمل البشري، كما يعرفه الإنسان منذ آلاف السنين.
السؤال: من سيدفع لهؤلاء العمال، عندما يحل الروبوت محلهم؟
أصحاب المصانع والشركات، يعتقدون أن تقليل عمالة البشر.. مُربح لهم.
ماذا لو تطور الذكاء الاصطناعي، وأصبح يمتلك مصانع ومتاجر وشركات؟ وما هو مستقبل أصحاب الأعمال؟
نقلاً عن «المصري اليوم»