زاهي حواس
كليوباترا هي أشهر ملكات العالم القديم؛ شخصيتها وحياتها.. امتزج فيهما الواقع بالخيال، فوُلِدت الأسطورة الخالدة.. لملكة كانت – بالفعل – تحكم العالم القديم، وتحركه كيفما شاءت!
لا ندري، هل غلب سحر جمالها على دهائها.. أم العكس! هل فعلاً كانت كليوباترا تتحكم في قادة العالم القديم بجمالها أم بدهائها؟ وصفها القادة الرومان والمؤرخون بالسحر والجمال، ونُسجت حولها الأساطير.. كادت تغيِّر وجه العالم القديم. إنها كليوباترا – ملكة مصر – التي تحولت عبر القرون.. إلى أسطورة خالدة، تحدَّث عنها المؤرخون والكُتّاب والفنانون، وكان منهم مَن وقع في عشقها.. ووصف محاسنها، ومنهم مَن كرهها.. وصوَّرها بأقسى الكلمات.
ألهمت وليم شكسبير مسرحيته الشهيرة.. فجعل منها ملكة عاشقة، قوية، محبة لمصر. بينما لم يكن بلوتارخ منصفاً لها، بل وصفها بعبارات جارحة.. متأثراً بالرؤية الرومانية المعادية لها. ومن هنا يجب أن نتعامل بحذر.. مع كل ما كُتب عن هذه الملكة العظيمة، لأن كثيراً من الروايات – التي وصلت إلينا – لم تكن بريئة أو محايدة.
وجدت كليوباترا نفسها بعيدة عن حكم مصر.. بعد الصراع الذي نشب بينها وبين أخيها بطليموس الثالث عشر. وكان والدها الملك بطليموس الثاني عشر.. يدرك أن القوانين والتقاليد السياسية في مصر، لا تسمح للمرأة أن تنفرد بالحكم بسهولة، ولذلك أوصى بأن يحكم ابنه بطليموس الثالث عشر.. مع أخته كليوباترا. لكن هذا الحكم المشترك.. سرعان ما تحوَّل إلى صراع، ووجدت كليوباترا نفسها خارج السلطة، تبحث عن طريق تعود به إلى عرش مصر. وعندما ظهر يوليوس قيصر.. أدركت أنه الرجل الوحيد القادر على مساعدتها. لقد صوَّر بلوتارخ – ومن بعده شكسبير – لقاء كليوباترا بقيصر.. في مشهد مسرحي ساحر؛ حيث جعلت أقوى رجل على الأرض في ذلك الوقت، يقع في حبها من النظرة الأولى.
جلست كليوباترا على عرش مصر مرة أخرى.. بأمر من قيصر. ثم سافرت معه إلى روما، وعاشت هناك فترة، وأنجبت منه ابناً.. أطلقت عليه اسم قيصرون (قيصر الصغير). وظهرت كليوباترا مع ابنها على واجهة معبد حتحور في دندرة.. في مشهد ملكي، يؤكد مكانتها كملكة لمصر وأم لوريث يحمل دم قيصر. لكن قصة عشق قيصر لكليوباترا.. لم تكن مقبولة لدى الرومان. فقد نظر كثير منهم إلى الملكة المصرية.. بعين الريبة والكراهية، واعتبروها خطراً على روما. وبعد اغتيال قيصر، عادت كليوباترا إلى مصر – ومعها ابنها – لتبدأ مرحلة جديدة.. من حياتها السياسية والعاطفية.
بعد ذلك، تم تقسيم النفوذ الروماني.. بين أوكتافيوس ومارك أنطوني. وكان الشرق من نصيب مارك أنطوني. وكان أنطونى قد سمع كثيراً عن المرأة التي عشقها قيصر، وأراد أن يقابلها، بل ربما أراد في البداية أن يحاسبها أو ينتقم منها. وتم اللقاء الشهير بينهما.. على ظهر سفينة فاخرة، بالقرب من سواحل آسيا الصغرى. وقد وصف بلوتارخ هذا اللقاء.. بطريقة، جعلته واحداً من أشهر المشاهد في التاريخ القديم.
أذكر أنني كنت في إيطاليا أتناول العشاء.. في منزل السيد بنديتي وزوجته ماري آنّا، وفوجئت بأنه صنع نسخة طبق الأصل.. من المركب الذي يُقال إن كليوباترا قابلت عليه مارك أنطوني. وقد صُنعت هذه النسخة في مصر، وكان يريد أن يهديها إلى السفارة المصرية في روما.. لتوضع أمام الأكاديمية المصرية هناك. وعندما قابلت السفير بسام راضي – سفير مصر في إيطاليا – وعرضت عليه الفكرة، رحَّب بها كثيراً؛ خاصة أنها تعيد إلى الأذهان واحدة من أشهر قصص التاريخ.. التي جمعت مصر وروما.
وقع مارك أنطوني – هو الآخر – في غرام كليوباترا. وترك روما.. بل العالم كله، وعاش إلى جوارها في الإسكندرية. وأنجب منها أبناء. وبالطبع لم تعجب تلك الأنباء أوكتافيوس؛ خاصة أن مارك أنطونيو.. كان متزوجاً من أخته أوكتافيا. ولذلك اعتبر الأمر.. إهانة شخصية وسياسية. ومن هنا بدأت المواجهة الكبرى، التي انتهت بمعركة أكتيوم البحرية، التي كانت بداية النهاية لأعظم قصة عشق في التاريخ القديم؛ قصة كليوباترا ومارك أنطوني.
اختلفت الروايات حول ما حدث بعد المعركة؟. هل تركت كليوباترا مارك أنطوني وحيداً.. في المعركة وانسحبت إلى الإسكندرية؟ هل غدرت بحبيبها؟ أم أنها كانت مناورة سياسية وعسكرية؟ وهل فعلاً أرسلت إليه خبراً بأنها انتحرت، فما كان منه سوى أن أنهى حياته بيده. انتهى الأمر بكليوباترا أسيرة في يد أوكتافيوس.. الذي أراد أن يأخذها إلى روما لتسير في موكب نصره. ولكن الملكة المصرية رفضت أن تُعرض كغنيمة حرب، أو أن تذل أمام الشعب الروماني.
تقول الرواية الشهيرة، إن كليوباترا انتحرت.. بلدغة أفعى الكوبرا، رمز الملكية عند الفراعنة.
ويبقى السؤال: أين دُفنت كليوباترا؟! يرى البعض أنها بنت مقبرة بجوار قصرها في الإسكندرية! ولم يهتم أحد بالبحث عن مقبرتها!
ربما ظناً.. بأنها الآن تحت مياه البحر المتوسط. حتى جاءت الدكتورة كاثلين مارتينيز.. من جمهورية الدومينيكان. وقابلتني عندما كنت مسؤولاً عن آثار مصر، وشرحت لي أدلتها.. على أن كليوباترا مدفونة داخل معبد تابوزيريس ماجنا.. غرب مدينة الإسكندرية. لم أكن مقتنعاً في البداية بهذه النظرية!، ومع ذلك، كانت مصر في ذلك الوقت تعاني من تراجع السياحة.. بسبب حوادث الإرهاب، ووجدت أن الإعلان عن البحث عن مقبرة كليوباترا، يمكن أن يجذب اهتمام الصحافة العالمية، ويعيد الضوء إلى الآثار المصرية. وبالفعل بدأت البعثة الأثرية العمل في تابوزيريس ماجنا.. تحت إشراف وزارة الآثار، وبدأ العالم يتابع أخبار البحث عن مقبرة الملكة الشهيرة.
سُئلت ذات مرة في لندن، خلال لقاء مع الإعلامي الشهير بييرس مورجان، عن أي الكشفين أهم في رأيي؛ العثور على مقبرة الملكة كليوباترا، أم مقبرة الملك خوفو؟ وأجبته: مقبرة الملك خوفو التي ربما لا تزال موجودة داخل الهرم الأكبر، وأن العثور عليها سيكون أعظم كشف أثري في التاريخ. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن كليوباترا الساحرة.. أصبحت رمزاً للجمال والذكاء والقوة والغموض. ولا أنسى عندما دعاني المرحوم كمال الملاخ.. إلى مقابلة إليزابيث تايلور، عندما زارت الأهرامات! لقد شعرت كأنني أقف أمام كليوباترا.
لقد نجحت السينما.. في أن تجعل من كليوباترا صورة حية.. في خيال العالم كله. واليوم، نسمع عن فيلم جديد من بطولة أنجلينا جولي. وفي معبد تابوزيريس ماجنا، عثرنا على تماثيل وعملات تحمل اسم كليوباترا، فضلاً عن أدلة أثرية.. تشير إلى أهمية هذا المكان في العصر البطلمي. كما كشفت الحفائر عن عناصر معمارية، ودفائن ولقى.. أثرية، تؤكد أن المعبد كان مركزاً دينياً مهماً، وأنه لا يزال يخفي الكثير من الأسرار. ستظل كليوباترا ساحرة القلوب، لأنها حولت التاريخ إلى أسطورة.
نقلاً عن «المصري اليوم»