زياد بهاء الدين
مشهد خروج «مو صلاح».. في مباراته الأخيرة مع فريق ليفربول – على ملعب «أنفيلد» منذ أيام – كان رائعاً ومؤثراً للغاية. هتاف الجماهير له، ووقوف زملائه صفين لتكريمه، ونزول أسرته للملعب، وبكاؤه هو شخصياً.
ولكن من لا يرى في تجربة «محمد صلاح».. سوى نجاح كروي، وتفوق رياضي، يكون قد فاته الكثير.
فالرجل ليس مجرد أسطورة في مجاله، ولا عنواناً للنجاح والثراء والشعبية، بل يتميز – بجانب ما سبق – بشخصية فريدة، تجعله حالة إنسانية جديرة بالتأمل.
وبرغم أنني لم ألتقِ به أبداً، ولم أعرفه.. إلا كمشاهد ومتابع ومعجب، إلا أن ما نقلته لنا وسائل الإعلام – عن شخصيته وسلوكه خارج الملعب – ينم عن هذه الحالة الإنسانية الفريدة. لن أعلق على نشأته في قرية «نجريج» بمحافظة الغربية، وطفولته المتواضعة، ومشواره في الفرق المصرية، حتى انضم لفريق «بازل» السويسري.. وهو لم يبلغ العشرين عاماً. فهذا الكفاح المبكر معروف للجميع. ولن أتوقف عند موهبته الفذة، وما حققه.. من إنجازات وأرقام وبطولات، تابعها محبوه، لأنه أيضاً معروف. ولن أتطرق لما قدمه من خدمات اجتماعية وإنسانية – في قريته ومحافظته وخارجهما – لأن الأرجح.. أننا لا نعلم إلا القليل منها؛ كما يجدر بالعمل الخيري الحقيقي – الذي لا يستهدف سوى الخير والبركة والثواب – التنزه عن الظهور والدعاية والإعلان.
أتوقف اليوم عند ثلاث «لقطات» من سلوكه، لا أظنها أخذت القدر الكافي من المتابعة الإعلامية؛ رغم أنها جديرة بأن تكون نموذجاً لآخرين.. في المجال الرياضي وخارجه.
اللقطة الأولى: تتعلق بما ظهر لنا من سلوكه العائلي؛ حيث نجح «محمد صلاح» – بشكل هادئ وغير مفتعل – في أن يجد التوازن الصعب.. بين احتفاظه بهويته الثقافية والحضارية والدينية واعتزازه بها، وبين انخراطه – بسهولة ودون توتر أو تناقض – في إطار معيشة المشاهير في الغرب؛ بكل ما يفرضه من عمل دؤوب واجتهاد، وتعامل مع الإعلام، وظهور في الإعلانات التجارية والمؤتمرات الصحفية. بل وإدخال أسرته في بعض هذه المشاهد.. بحساب دقيق وبالغ الاحترام.
واللقطة الثانية: تخص علاقته بالمجتمع المسيحي.. الذي عاش فيه سنوات طويلة. في كل احتفال بعيد ميلاد السيد المسيح، كان الإعلام البريطاني والعالمي ينشران لقطات احتفال نجمنا العزيز بالعيد.. بشجرة عيد الميلاد.. مع أسرته، وفي منزله. وفي كل عام، تعرَّض لانتقاد الباحثين عن التشدد والرفض والفرقة. ولكنه ظل – عاماً وراء عام – يكرر نفس المشهد، وكأنه يقول للمنتقدين: أنا مسلم، وأسرتي أيضاً، وليس عندنا شك في ذلك، ولا نشعر بأننا مهددون في الهوية والعقيدة. بل عندنا من الثقة والإنسانية.. ما يجعلنا نسعد بالاحتفال مع أهل البلد، الذين رفعونا لأعلى درجات المجد.
وأما اللقطة الثالثة: فربما تكون أقل وضوحاً، وهي مشاهد «محمد صلاح».. خلال الإجازات المختلفة التي يغطيها الإعلام، ويتابعها المصورون دقيقة بدقيقة.
هل لاحظتم أنه – خلال هذه الإجازات – يظهر كثيراً ومعه كتاب؟ بعضها عن مواضيع تتعلق ببناء الشخصية، وتهذيب النفس.. والارتقاء بها.
في تقديري، أن هذه ليست لقطات عشوائية، بل مصدرها وعي «مو صلاح»، بأنه قدوة للملايين.. في مصر والوطن العربي؛ يتطلعون إليه، ويقتدون به، ويتابعون أدق تفاصيل حياته.
هذه مسؤولية كبيرة، تجاه مجتمعنا.. الذي اختار «صلاح» ألا يقدم له مشاهد السهرات الصاخبة، والإنفاق السفيه، والعلاقات المبتذلة. بل قرر أن يقدم لشبابه.. رسائل خفيفة، وإيجابية، وبالغة الرقي.
لكل هذا، فقد صار سفيراً – غير معين – لمصر وحضارتها، وللعرب والمسلمين.. في بريطانيا والعالم، ونموذجاً للبساطة والتفوق، والتواضع والأخلاق والاجتهاد.
فشكراً يا «صلاح».. على ما قدمته لنا، وعلى السعادة.. التي أدخلتها في قلوب الملايين، الذين يتمنون لك التوفيق.. في خطوتك التالية.
وكل عام وأنتم طيبون، وخالص التمنيات بعيد سعيد.
نقلاً عن «المصري اليوم»