د. أحمد يوسف أحمد
بينما كان الجميع يتابعون جهود التوصل لاتفاق.. ينزع الفتيل من قنبلة المواجهة الحالية في الشرق الأوسط، ويتأرجحون بين الأمل في نجاح هذه الجهود.. والإحباط من احتمالات فشلها، خرج علينا الرئيس الأمريكي بتغريدة مفاجئة.. ربط فيها بين جهود الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية لصراعها – هي وإسرائيل – مع إيران، وضرورة انضمام الدول التي تحدث مع قادتها.. للاتفاقات الإبراهيمية. وتشمل هذه الدول – كما حددها – السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين، ويُلاحظ أن دولتين من هذه الدول.. منضمتان بالفعل؛ هما الإمارات والبحرين، ودولتين أخريين.. هما مصر والأردن، وقعتا معاهدتي سلام مع إسرائيل.. في ظروف طبيعية. ومن ثم.. تكون الدول المقصودة هي: السعودية وقطر وباكستان وتركيا.
وكان التصور – قبل تغريدة ترامب – أن اتصالاته بقادة هذه الدول.. تمت لإحاطتهم علماً بأجواء المفاوضات، وربما الاطمئنان لدعمهم نتائجها. وتولد الانطباع بأن المفاوضات.. ربما تكون قد اقتربت من النجاح، ولذلك وجب حشد الجهود، كي تكون هذه الدول ظهيراً لها، وكان مضمون ما قاله ترامب.. أنه بعد كل العمل الذي قامت به الولايات المتحدة، ينبغي أن يكون إلزامياً لهذه الدول – على الأقل – أن توقع على الاتفاقات الإبراهيمية. وأشار إلى أن دولة أو اثنتين.. قد يكون لديهما سبب لعدم القيام بذلك، لكن معظمها ينبغي أن يكون مستعداً – وراغباً وقادراً – لجعل هذه التسوية مع إيران حدثاً تاريخياً.
وأضاف أن اتفاقات إبراهيم.. أثبتت أنها بمثابة ازدهار مالي واقتصادي واجتماعي للدول المشاركة فيها، وأنها ستجلب القوة الحقيقية والسلام للشرق الأوسط.. لأول مرة منذ 5000 عام، وأنها ستكون وثيقة تحظى بالاحترام.. كما لم تحظ أي وثيقة أخرى وُقعت في أي مكان في العالم، وأن التوقيع الفوري على الاتفاقات، ينبغي أن يبدأ من السعودية وقطر.. على أن يحذو الجميع حذوهما، وإلا فإنهم لا ينبغي أن يكونوا جزءاً من الاتفاق، لأن ذلك سيكون دليل سوء نية. وأضاف كلمات عن احتمال أن توقع إيران الاتفاقات معه.. كرئيس للولايات المتحدة، وأن هذا سيكون «شرفاً لنا»، وحينها سيكون الشرق الأوسط موحَّداً وقوياً ومزدهراً اقتصادياً، وربما لن تضاهيه أي منطقة أخرى في العالم. ولذلك طلب من ممثليه.. الشروع فوراً في عملية ضم هذه الدول للاتفاقات.
ومن الصعوبة بمكان، أن نجد نصاً يضاهي تغريدة ترامب.. فيما تنطوي عليه من مربكات ومبالغات. وسأكتفي في التعليق عليها – بملاحظات أربع – بشأن ما انطوت عليه من خلط للأوراق.. في توقيت غير مناسب، بمبرر غير صحيح، وأساس قانوني وهمي.
أما خلط الأوراق، فقد ربط ترامب تعسفياً.. بين مسارين مختلفين؛ وهما الصراع مع إيران من جانب، والصراع العربي-الإسرائيلي من جانب آخر. صحيح أن بينهما قاسماً مشتركا؛ هو أن إسرائيل – بدعم الولايات المتحدة – هي السبب الأصيل.. للعنف في الصراعين، لكن قضاياهما مختلفة تماماً؛ بحيث إن افتراض حلها في أحدهما، لا يعني – من قريب أو بعيد – حلها في الآخر. فهل العودة لحرية الملاحة في مضيق هرمز، أو فك الحصار البحري على إيران، أو حتى حل قضية البرنامج النووي الإيراني.. تعني فك الحصار على غزة، وإعادة إعمارها، أو تأسيس دولة فلسطينية؟
… المعروف، أن الدول العربية قد ربطت – في قمة بيروت 2002 – بين استجابة إسرائيل للمطالب العربية المعروفة، وبين تطبيع الدول العربية العلاقات معها. فما هي العلاقة بين الاتفاق مع إيران – إن تم – وبين تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟
بالنسبة للتوقيت غير المناسب، فهناك الكثير الذي يمكن قوله؛ فهناك أولاً: أن ترامب أطلق تغريدته.. في وقت بدا فيه – هو نفسه – غير متأكد من التوصل إلى «اتفاق عظيم» – كما عودتنا مفرداته اللغوية المبالغة – أو «لا اتفاق على الإطلاق، والعودة لإطلاق النار بصورة أكبر وأقوى». والمفارقة، أنه – رغم عدم يقينه هذا – يطالب الدول التي حدَّدها.. بالتوقيع الفوري الإلزامي على الاتفاقات. فكيف يكون حال هذه الدول.. إن وَقَّعت، ثم انفجرت الأمور بصورة أكبر وأقوى.. كما ذكر ترامب؟
وهناك ثانياً: أن ترامب أطلق توجيهاته ـ أو حتى أوامره ـ بالانضمام للاتفاقات الإبراهيمية.. في وقت تواصل فيه إسرائيل القتل والتدمير في كل من غزة ولبنان، رغم ما يُسَمَّى بوقف إطلاق النار. فكيف توقع الدول العربية والإسلامية – التي دعاها – على اتفاقات.. يعتبرها أنصارها رمزاً للسلام، بينما يغيب أي مؤشر على نوايا إسرائيل السلمية؟
وهناك ثالثاً: الخبرة السلبية.. لأداء ترامب وإسرائيل في تنفيذ الاتفاقات، التي تم التوصل لها في لبنان وغزة؛ حيث بلورت إسرائيل مفهوماً لوقف إطلاق النار.. لا ينطبق إلا على خصومها.
فيما يتعلق بالمبرر – الذي استند إليه ترامب في دعوته لتعميم الاتفاقات الإبراهيمية – يُلاحظ أنه أشار إلى ما أثبتته من ازدهار مالي واقتصادي واجتماعي للدول المشاركة فيها، وأنها ستجلب القوة والسلام للشرق الأوسط.. لأول مرة منذ 5000 عام. ولست أدري من أين أتت هذه الأحكام؟ فبعض دول الاتفاقات؛ كالإمارات.. مزدهرة قبلها. وبعضها كالسودان.. سقط في شَرَك الحرب الأهلية بعد توقيعها (منذ 2023)، وما زال منخرطاً فيها. وأتمنى من أساتذة التاريخ الأجلاء.. أن يفيدونا بدلالة ذلك التاريخ السحري (منذ 5000 عام)، الذي لا يعرف أحد عنه شيئاً، بزعم أنه.. مثَّل آخر مرة شهد فيها الشرق الأوسط القوة والسلام، مع أن المنطقة عرفت – في تلك الفترة الممتدة – حضارات عظيمة، كان ترامب يريد أن يبيد إحداها. ناهيك بأن مفهوم الشرق الأوسط.. لم يدخل قاموس المصطلحات، إلا منذ أكثر قليلاً من مائة عام. اعتمادا على رؤية استعمارية، تنطلق من مركزية الغرب في العالم، وبدء إطلاق اصطلاحات مسميات مناطق العالم.. حسب موقعها من المركزية الغربية.
وأخيراً فإن ترامب.. يتصور أن يكون الانضمام للاتفاقات الإبراهيمية.. فورياً وإلزامياً. ولست أدري ماهية الأساس.. الذي استند إليه في هذا الصدد، وهو – فيما يبدو – لا يدرك أن دولة كالسعودية – بدورها القيادي عربياً وإسلامياً – لا يمكنها أن تغير توجهاتها المعروفة.. بمجرد تغريدة منه. ناهيك عن تركيا وباكستان.
ويبدو كذلك، أنه لا يتذكر أن دولة كمصر.. تصدَّت – بهدوء ونجاح – لأفكاره عن تهجير سكان غزة، وبناء «ريڤيرا» على أرضهم. أما انضمام إيران.. فهو فكرة عبثية. وفيما يتعلق بالإلزام، فلا أساس قانونياً له، وبالتالي فإن سنده الوحيد، هو القوة.. التي يمتلئ تاريخ السياسة الأمريكية – في ڤيتنام ولبنان والصومال وأفغانستان والعراق وإيران – بالأدلة على عقمها.
فهل باتت السياسة الأمريكية.. بحاجة إلى عملية مراجعة شاملة، يقوم بها دبلوماسيون أمريكيون أكفاء موجودون بالفعل، لكنهم بعيدون عن دوائر صُنع القرار؛ كأولئك الذين صنعوا لرؤساء سابقين – مثل أيزنهاور وكيندي وجورج بوش الأب – بعضاً من أفضل قرارات السياسة الخارجية الأمريكية؟.
نقلاً عن «الأهرام»