مصطفى حجازي
«الجميع يقولون لي إن تلك الحرب لا تحظى بأي شعبية أو قبول.. يقولون إن الأمة تراها خطأً فادحاً، ومُقامرة مكلفةً بمستقبل البلاد.. ولكني (أنا) أراها ذات شعبية وقبول..! حين أشرح لهم.. ما يلزمهم معرفته سيقبلونها. وحتى إن لم يقبلوها، فسأُكمل حتى أتمم مرادي، وهذا هو الأصلح لهم..!!».
تلك كانت كلمات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» – متحدثاً إلى صحفييه – في الحديقة الخلفية للبيت الأبيض، منذ أيام قلائل.
يُرادُ للعالم، أن يعتاد من السيد «ترامب» – ورعيله المشابه على مسرح السلطة – بهلوانيات السياسة، ناهينا عن الوقاحة ومجافاة المنطق. الاعتياد على الألم.. يَحمل على التَبَلُّد ويُميتُ الإحساس. هذا ما يراهن عليه ترامب.
قتل نخوة الأمة الحية.. بوقاحته الغاشمة. حتى تعجزعن أن تندهش، أو ترفض، أو تحاسب.
ارفع حدَّ الألم.. حتى تلامس حدَّ الكسر. ثم خفِّف بعضاً من ألم. فكأنك قد أصلحت. املأ الدنيا جلبة وضجيجاً.. مُذكِّراً بحُسن صنيعك، وتفرُّد عقلك، وطالب الأمة بأن تحمد مناقبك. عاقب الأمة على جحودها، إن هي لم تلهج بحمد فسادك.. ذاك هو منهج السيد ترامب ورعيله.
ولكن في كواليس ذلك المسرح.. كثير مما ليس قابلاً للاعتياد، ولا الألفة، ولا التبلد؛ أمورٌ تمس جوهر ما تبقى من رحيق حياة الأمم، ناهينا عن حريتها وكرامتها. فلكل دولة مهيمنة.. لحظة تاريخية، تبدأ فيها جدران «الاستثنائية» بالتصدع. أمريكا اليوم لا تواجه مجرَّد منافسين، بل تواجه أزمات هيكلية.. تقضم من رصيد تفرُّدها، وقوتها الناعمة، والصلبة.. على حد سواء.
وعندما يكتنف أسلوب «دونالد ترامب» – القائم على الشعبوية، والصفقات قصيرة المدى، وازدراء المؤسسات – تلك الأزمات، فإنه لا يحلها، بل يُحفِّز تفاعلها، ويُفاقِم حدَّتها، ويحولها إلى مآزق وجودية.
أمريكا المنهكة مالياً.. تقف – شبه عاجزة – أمام غول الديون السيادية. تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز الأربعة وثلاثين تريليون دولار. وباتت تكلفة خدمة هذا الدين، تلتهم الموازنة السنوية.. متجاوزة أحياناً ميزانية الدفاع نفسها.
تفاقم دينٍ، يهدد استقرار الدولار.. كعملة احتياط عالمية، ويقلص مرونة الدولة.. في مواجهة الأزمات.
يعمد ترامب إلى «التخفيضات الضريبية الهائلة».. للشركات والأثرياء، دون خفض مقابل.. في الإنفاق الحكومي. أسلوب استعراضي، يحفز الاقتصاد على المدى القصير جداً؛ لكنه يفجر العجز المالي، ويفاقم الديون بشكل حاد.. مفضلاً اللحظة واللقطة على الاستدامة المالية.
أمريكا – المنقسمة ثقافياً وسياسياً – تحيا شقاقاً هو الأعمق منذ الحرب الأهلية؛ انهار «العقد الاجتماعي».. الذي كان يستوعب التنوع، وتحول الصراع بين الحزبين.. إلى صراع صفري؛ غابت معه المساحات المشتركة لإدارة الدولة، مما يفقد أمريكا قوتها الناعمة.. كنموذج للديمقراطية المستقرة.
يستثمر ترامب في الاستقطاب، ويزدهر سياسياً من خلاله، ويعتمد الشعبوية القبلية (Populist Tribalism).. كاستراتيجية وحيدة؛ «نحن.. ضدهم» تلك هي. يغذي سرديات المظلومية والعنصرية الرعناء، ويشكك في نزاهة الانتخابات والقضاء والصحافة. يحيل الخلاف السياسي.. إلى «صراع وجودي»، مما يشل قدرة مؤسسات الدولة.. على الحكم والتشريع. يصنع خمائر حرب أهلية مؤجلة؛ خراب وفوضى. تكون هي ملاذه.. عند الهروب من المحاسبة، أو هكذا يظن.
الولايات المتحدة القطب الأوحد للنظام العالمي.. تتآكل مظلتها، في عالم ينفضُّ – تدريجياً – عن القطبية الأحادية. حلفاء أمريكا التقليديون.. باتوا يبحثون عن «تحوُّط استراتيجي»، وبناء قدرات مستقلة، فـ «واشنطن».. لم تعد شريكاً يمكن التنبؤ بسياساته، أو الاعتماد عليه مطلقاً.. في الأزمات الممتدة.
يتبنَّى ترامب عقيدة «أمريكا أولاً».. بمنطق تجاري بحت؛ هو «دبلوماسية الصفقة». ويرى في الأحلاف العسكرية.. «شركات حراسة»، تُستأجر من أجل الحماية. تعامُل فج، يُسقط مفهوم «الريادة الأخلاقية والاستراتيجية»، ويحول أمريكا.. من «قائد» للنظام العالمي، إلى مجرد «قواد» سياسة دولية بالأحرى.
الولايات المتحدة – القوة العسكرية الأعتى في العالم – تئن من فجوة تنمية هائلة.. في ظل عسكرة الموازنة؛ إنفاق عسكري بمئات المليارات، وحروب بالوكالة ،وهدر لموارد الحلفاء. بينما تعاني مدنها الداخلية.. من بنية تحتية متهالكة، فضلاً عن أزمات تعليم ورعاية صحية متفاقمة.. قياساً – مع فارق بالضرورة – مع ديكتاتوريات بائسة أخرى. وبدلاً من بناء استراتيجية وطنية شاملة.. لإعادة إعمار الداخل السكاني والإنساني، يعمد ترامب إلى مشاريع ذات طابع «دعائي».. كبناء الجدار الحدودي مع المكسيك.
وأما في شأن المستقبل فتفقد أمريكا – تدريجياً – احتكارها المطلق لسلاسل توريد التكنولوجيا الفائقة، والذكاء الاصطناعي.. لصالح الصين. والأخطر، أنها تفقد «المعيارية الأخلاقية».. لإدارة تلك التكنولوجيا.
يتعامل ترامب مع الحرب التكنولوجية.. كـ«معركة جمارك وحظر رقمي»، دون رؤية فلسفية أو تنظيمية متكاملة.. لـ«أنسنة التكنولوجيا»، أو حماية ريادة المعرفة؛ أسلوب مزاجي متقلب، يجعل من الصعب بناء جبهة تكنولوجية موحدة.. مع الحلفاء الغربيين، الذين يرفضون الاندفاع وراء قرارات أمريكية.. تُتخذ بغرائز انتخابية.
وفي وسط كل هذا الركام، تكمن دراما «ظاهرة ترامب» ورعيله؛ فيمن لا يرون في تخريبهم إفساداً، بل يرونه «تطهيراً» وإنقاذاً. وهنا، يبلغ اغتيال المنطق ذروته.
… ينطلق ترامب من عقيدة نفسية وسياسية، ترى في عموم المجتمع – قبل مؤسسات الدولة – مجرد «مستنقع» فاسد، يجب تجفيفه. كلهم في نظره.. كفاءات متراجعة، وأياد مرتعشة، وعقول محدودة. وبالتالي، فإن الهيمنة على المجتمع – قبل كسر قواعد هذه المؤسسات وتفكيكها – ليس إفساداً.. فيما يراه، بل هو الفعل الإصلاحي الأوحد. ولم لا؛ فهو «المُخلِّص».
وما دامت المؤسسات عاجزة.. أو متآمرة، فإن «إرادته الفردية»، و«حدسه التجاري»، وما يوحيه إليه عقله، أو توحيه إليه سماؤه.. هما المرجعية الوحيدة للصلاح والإصلاح.
في هذا الوعي النرجسي، يتحول «الجهل بالقواعد».. إلى فضيلة، وتصبح «المزاجية».. مرونة استراتيجية. إنه يعيد تعريف «الصالح العام»، ليتطابق تماماً مع «الصالح الشخصي»؛ «فهو أمريكا وأمريكا هو»! حتى لو كان ذلك يعني تفجير الديون، أو تمزيق النسيج المجتمعي، أو التضحية بالحلفاء.
يمارس وصاية شعبوية، تعتقد يقينًا.. أن «العميان» – وهم عموم الشعب والمؤسسات في نظره – لا يملكون البصر ولا البصيرة.. لرؤية المستقبل. وبالتالي، فإن قسره لهم على معاركه، وإجبارهم على المُضيِّ في خياراته المكلفة.. هما الواجب المقدس. وليس لأحد أن يحتسب على صاحب الواجب المقدس!
وبينما تبقى الشفافية، وتوازن السلطات.. هما الملاذ الوحيد لاتزان مسار الأمم، تبقى المحاسبة عند «ترامب».. أداة ضبط إداري وبيروقراطي؛ أكثر من كونها مبدأ، وحجر أساس.. في فلسفة الدولة الحديثة.
تسري على الجميع، ولا تسري عليه. وكيف ذاك، وهو المعصوم سياسياً.. بحكم حظوة موقعه. كما أنه المعصوم من السماء.. بحكم الاصطفاء، دون غيره.. لهذا الموقع.
إذًا.. وإن اجتمعت الأمة على خطئه، يبقى ما يفعله صواباً؛ فهو وحده.. من يقدر الصواب والخطأ. وهو وحده.. من يحاسب عليهما.
وكأننا بذات الأيام، التي كتب فيها المتنبي يسائل الأيام – حين كان يوم عرفة، وحين كانت دولة الإخشيد – حيث تَسَلَّط العقل الآبق.. على منطق الدولة.
تعجب المتنبي، وسأل معاتباً.. متجرعاً الكمد.. مستدركاً على المتسلط ..هاجياً دونيته..
«عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ»
وكأني بالمتنبي ما زال يسأل ويهجو..!
وأما أنتم.. فـ «عيدكم سعيد.. وطيب الله قادم أيامكم؛ بما هو أرفق وأعقل وأعدل..»
فَكِّرُوا تَصِحُّوا..
نقلاً عن «المصري اليوم»