Times of Egypt

ليلة العيد

M.Adam

جميل مطر

أذكرني مرتدياً «الشورت»، وقد انتهينا من ذبح خروف العيد. قام بالذبح وسلخ الفروة.. جزار، أو بالأحرى صبي جزار، وأظن أنه حصل على الفروة.. أجراً على ما فعل بالخروف، وعلى الوقت الذي قضاه بعد ذلك.. لمساعدة «سيدة» وأمها في جهود إزالة آثار ما فعل، وإعادة «السطوح» إلى ما كان عليه قبل الذبح؛ نظيفاً وأنيقاً.. كما عهدناه دائماً ملعباً للصغار من سكان العمارة.

كنا، في عصر ذلك اليوم.. «ملهوفين» على أداء ما تبقى لنا لنفعل.. من طقوس هذا اليوم المجيد. تجسَّدت لهفتنا – في صرخات فرح وانبهار بوصول صبي الفران – يحمل ألواحاً من الخوص، تحمل – بدورها – عشرات الأرغفة الملتهبة.. سخونة. تتسلمها أمي.. مقابل عيدية مناسبة لحاملها، الذي راح يهمس في أذن «سيدة» برسالة.. فحواها أنه سيكون بانتظارها مع أمها، ليحصل على نصيب.. عندما تبدآن في توزيع الأرغفة على المتسولين والدراويش.. المقيمين – بصفة دائمة – حول مسجد السيدة زينب. تحت الإلحاح، وافقت أمي على استعداد «أم سيدة» اصطحابي مع فريق التوزيع، بشرط أن يتولى هذه المسؤولية علي السروجي، الساكن المقيم نهاراً في غرفة البواب، ومهنته الأساسية تصليح الأحذية، وحمايتنا نحن الصغار من أشرار الأحياء المجاورة.

عدنا قبل المغرب بقليل. أمي سألت، فأجابت «أم سيدة» بنعم.. «تسابقت زائرات الست على احتضانه وتقبيله». عطفاً على هذه الإجابة، أخذتني أمي إلى الحمام، وأغرقتني بالماء بارداً، ثم جاءت بملابس نظيفة، ونبَّهتني إلى تغيير ما كنت أرتديه.. قبل أن ألتحق بها في الشرفة؛ حيث مكانها المفضل بعد يوم عمل، لم تهدأ خلاله للحظة راحة.. مع فنجان قهوة أو شريحة بطيخ. راحت – كعادتها – تسألني عن أصحابي.. واحداً بعد الآخر.

أذكر جيداً تفاصيل تلك اللحظة. كانت تراقب الطريق، وتعلق لتختبر. تختبرني وتختبر أصحابي.. وعائلاتهم؛ مما أحكيه عنهم طواعية، أو تحت الاستجواب الحنون والذكي. وقعت عيناها على موظف شركة الغاز.. يحمل السلم المعدني وحقيبته وعمود الشعلة، التي يستخدمها ليضيء شعلة فانوس النور.. الواقع على ناصية التقاء شارعين، نطل نحن أيضاً من شرفتنا عليهما. استدارت ناحيتي لتطلب مني الدخول إلى المطبخ، لأطلب من «سيدة» وضع أحد الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم المسلوق في «ورقة جورنال»، لأنزل وأعطيه إلى عامل الغاز.. مع تمنيات أمي بعيد مبارك، يعود عليه وعلى أهله بالخير والصحة الطيبة. فهمت وقتها أن العيد فرصة لتلقين ابن العاشرة.. بعض طقوس ولغة التخاطب مع الغرباء في المواسم الدينية كهذا العيد، عيد الأضحى.

أثناء الذبح، سمعت أمي تطلب من صبي الجزار استخلاص قطع معينة من داخل الخروف؛ مثل «الكبدة والكلاوي»، وتنظيفها وتسليمها لأم سيدة.. المكلفة بإعدادهما – كما جرت العادة – للشواء، ضمن وليمة إفطار أول أيام العيد. مرَّ على هذه اللحظة أكثر من ربع قرن، ليطل علينا العيد الكبير – لأول مرة في القاهرة – وقد صرت زوجاً ووالداً لطفلين. أبدت زوجتي دهشة.. مختلطة بالرفض، عندما طلبت منها إعداد شواية الفحم.. من أجل إفطار أول أيام العيد. استنكرت عادة تناول إفطار اللحوم المشوية، وأصرت على أنها لا تريد تلقين أطفالها.. طقوساً مضرة بصحتهم. ذكَّرتها بأيامنا في بيونس آيرس، عندما كانت رائحة الشواء تفوح في شوارع الحي الفاخر.. صباح كثير من الأيام، وهي الأيام التي يوجد فيها عمال من الريف الأرجنتيني في الحي.. للعمل في مشاريع البناء ورصف الطرق. هؤلاء كانوا يتناولون اللحم المشوي على امتداد وجباتهم الغذائية، وأهمها الإفطار.

من رحلات الذاكرة قبل ثمانين وسبعين سنة – من رحلة الشواء والعيد والأم الزاهدة في متع الدنيا الزائلة – إلى عالم يهيمن على أهم مقدراته قطب عظيم ينحدر، وإلى أحداث زمن تكشف حجم مأساته.. صور لرئيس هذا القطب المنحدر قوة وأخلاقاً، مع رئيس قطب صاعد بتؤدة.. ولكن بحزم، صور ناطقة تنقل عن الرئيسين حديثاً متبادلاً.. في زمن ملتهب بالتوتر والقلق، والخشية من أن يلجأ أضعف الرئيسين عقلاً وخبرة.. إلى حرب نووية لا ترحم ولا تستثني.

أرى – من كوة في الذاكرة – رئيساً هو الضيف.. لا يحمل هم الدمار والخراب، ويتحدث طوال لقاء القمة عن إعجابه بتماثيل القصر الإمبراطوري في بكين، وبالزهريات البديعة في رسمها، والصادقة في قدمها وحقيقتها، وعن دهانات الجدران.. عن الإبداع في اختيار ألوانها وحُسن اختلاطها. ورئيس آخر – هو المضيف – يتأمل.. متفاخراً ومتباهياً بأسبقية بلاده في احتلال مكان مرموق في التاريخ، ويتأمل ساخراً في أحوال الضيف.. الذي يستحق عن جدارة – في حكم السياسة والقانون والتاريخ – صفة «البطة العرجاء».

قضيت ليلة العيد، أفكر في حال عالم يعيش أياماً.. يسود فيها ارتباك من يتوقع مستقبلاً مختلفاً كل الاختلاف.. عن حاضره. لا تدرُّج ولا قدرة واعية وقادرة على التدبر، وأدوات وآليات مبتكرة.. هي من صُنع عقل من لا عقل له. فكرتُ في زمن سوف يعيش فيه أولادي وأحفادهم، هؤلاء.. بذلت الكثير من الطاقة ومن سنوات الجهد ومن العلم.. من أجل تدريبهم على حُسن استخدام ذكائهم، لأكتشف في تلك الليلة – ليلة العيد – أن في المستقبل سيأتي من يستبدل ذكاء أولادي وأحفادي.. بذكاء اصطناعي، من صُنع أجهزة وعقول إلكترونية. يزعمون أنهم سوف يفلحون في حقن أدوات وآليات هذا الذكاء الاصطناعي.. بإكسير الحب، وهو أيضاً مصطنع خصِّيصاً لأبناء وبنات جيل المستقبل.

اكتشفت أيضاً في تلك الليلة – أو قل توصَّلت إلى – أن إسرائيل تستعد لأن تحل محل إيران وأمريكا؛ فتنشئ وتدرب وتطلق ميليشيا.. لكل بلد في الشرق الأوسط. وبواسطة هذه الميليشيات، تضمن عدم استقرار سياسي متواصل.. في كل دول المنطقة – تماماً، أو تقريباً – مثلما فعلت القاعدة أو داعش بالعراق وسوريا، ومثلما حدث في ليبيا، ويحدث في السودان. تضمن إسرائيل – على هذا النحو – ألا تقوم دولة في المنطقة.. تعيق ما تنوي عمله؛ فعلاً يختلف كثيراً عما فعلته في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. سلاسل من حلقات الدمار والخراب. الوضع الذي صار يطلق عليه – في صحف غربية – تعبير «عمليات تحديث الهمجية»، وبسببه صارت إسرائيل – في نظر علماء يهود.. ومنهم جيفري ساكس وجون ميرشايمر – أمة من القتلة.

أي ليلة عيد كئيبة هذه الليلة!!؟ وما أحلى ليلة عيد عشتها مع الذاكرة.

نقلاً عن «الشروق» 

شارك هذه المقالة