د. أحمد يوسف أحمد
قد لا يكون هذا العنوان دقيقاً، لأنه يشير إلى العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، وهي علاقة تنطوي – منذ نشأة إسرائيل – على تحالف عضوي متين، لم يعرف سوى التأييد المطلق.. اللهم إلا في تلك الواقعة الفريدة، التي أجبر فيها الرئيس الأمريكي أيزنهاور إسرائيل عام 1957.. على الانسحاب من سيناء وغزة، بعد عدوان 1956. وفيما عدا هذا، سُويت كل الاختلافات الأمريكية-الإسرائيلية لمصلحة إسرائيل؛ سواء بتراجع أمريكي لأوهى الأسباب؛ كما حدث في واقعة حجب الرئيس بوش الأب 1991.. ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار، للضغط على حكومة إسرائيل لوقف بناء المستوطنات. لكن الأزمة انتهت في السنة التالية.. بمجرد تغيير الحكومة، رغم بقاء سياسة الاستيطان على حالها. وتراجع كارتر عن التصويت ضد الاستيطان عام 1980.. بدعوى حدوث خطأ في الاتصال، وامتنع مندوب إدارة أوباما في مجلس الأمن عن التصويت، فصدر القرار 2334 – الذي أدان سياسة الاستيطان الإسرائيلية – في الشهر السابق على نهاية ولايته؛ بما لم يجعل له أي تأثير فعلي.. وهكذا.
والتفسير واضح. فمن ناحية، تُعَد إسرائيل الحامية الوحيدة المضمونة.. للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. ومن ناحية ثانية، من المعروف أن للوبي الصهيوني.. سطوته على القرار الأمريكي. وعندما وصل ترامب للحكم في 2017، اكتسبت العلاقة أبعاداً جديدة.. باعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبشرعية الاستيطان، وبضم إسرائيل الجولان السوري المحتل. غير أنه شرع في ولايته الحالية.. في تقمُّص دور صانع السلام العالمي، مما أوجد تناقضات – ولو ثانوية – مع حلفائه الأوروبيين.. بسبب أفكاره عن تسوية الحرب في أوكرانيا، وكذلك في الشرق الأوسط مع إسرائيل.. في حالتي غزة وإيران، اللتين يجب أن نفهم جيداً.. حدود الخلاف فيهما، حتى لا نستسلم لأوهام، أو نضيَّع فرصاً لتحقيق مكاسب ولو ثانوية.
ففي غزة – ورغم موقف ترامب الحاسم المؤيد لإسرائيل؛ بما في ذلك التصدي المطلق لمحاولات وقف إطلاق النار، وأفكاره الفجة عن تهجير سكان غزة لمصر والأردن، وتحويلها لريفييرا جديدة – فإن صمود المقاومة، وموقف مصر الحاسم ضد هذه الأفكار، والتأييد العربي والإسلامي لموقفها.. جعل ترامب يتراجع – ولو تكتيكياً – ويخرج بخطة في سبتمبر الماضي تنطوي – مهما كانت تحفظاتنا عليها – على أفكار لا تُعجب إسرائيل، ويكفي أنها أوقفت إطلاق النار، وتخلت عن أفكار التهجير.. ولو ظاهرياً. ودَوَّلت ملف غزة – بفكرة قوة الاستقرار الدولية – وتحدثت عن انسحاب لقوات إسرائيلية.. يتزامن مع نزع سلاح المقاومة، وعن آفاق – ولو غامضة – لدولة فلسطينية، فضلاً عن تصريحات ترامب الخاصة برفض ضم الضفة الغربية لإسرائيل. وكلها أفكار مرفوضة إسرائيلياً.
ولإسرائيل طريقتها.. في مواجهة التطورات غير المواتية لها، فقد بلورت فهمها الخاص لوقف إطلاق النار، وهو أنه ينطبق على خصومها من المقاومة فقط؛ سواء في غزة أو لبنان. ومضت في تدمير مقومات الحياة في غزة، بحيث تجعل التهجير خياراً واقعياً لسكانها، ولم تُعَلِق بحرف على رفض ترامب ضم الضفة، بينما مضت – في الوقت نفسه – في التغول الاستيطاني فيها، ثم صعدت عملية التحريض على إيران.. مستغلة دورها في دعم المقاومة؛ حتى إن تقارير عديدة ذهبت إلى أن نيتانياهو.. هو من استدرج ترامب لفخ إيران، وهو ما قد يكون صحيحاً بالمعنى التكتيكي، وقد كانت الحرب على إيران منذ نهاية فبراير الماضي.. أول حرب أمريكية-إسرائيلية مشتركة، غير أن إيران صمدت، وأوجعت الولايات المتحدة وإسرائيل.. بردها هي وحلفائها، ووظفت إمكاناتها الجيوبوليتيكية في إحداث أزمة طاقة عالمية، كانت لها ارتداداتها السلبية على خصومها. وبدا أن ترامب قد وقع في شَرَك من الصعب الخروج منه.. دون تقديم تنازلات، وهو ما فتح الباب لأزمة جديدة في العلاقة مع إسرائيل.
ولعل أوضح مظاهر هذه الأزمة.. هو آخرها؛ المتعلق بإعلان ترامب الإثنين الماضي، توصله لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وهو خبر بالغ السوء لإسرائيل؛ أولاً: لأنه يحرمها من المضي قُدُمَاً في تحقيق أهدافها المعلنة في لبنان. وثانياً: لأنه انطوى على اتصال مباشر بين ترامب و«حزب الله»، ولا يخفى ما لهذا من دلالات.. على فاعلية دوره في الصراع، والاعتراف بهذا الدور.. تماماً كما كان لاتصالات ترامب المباشرة بحماس.. من مردودات سيئة على إسرائيل. وثالثاً: لأن هذا التطور يفتح الباب للقول إن إيران.. فرضت وجهة نظرها بخصوص ضرورة الربط بين الجبهة الإيرانية والجبهة اللبنانية. وكما حدث في مناسبات سابقة لوقف إطلاق النار في غزة ولبنان.. بمبادرات أمريكية، اشتعل النقد الداخلي لنيتانياهو.. بأنه أصبح مطية لترامب، وحَوَّل إسرائيل لجمهورية موز، وعادت إسرائيل مجدداً.. لمعضلة غياب التطابق التام بين أهدافها وأهداف حليفها الأكبر، التي تهدد تطورات السنتين الأخيرتين.. بأن يصبح حليفها الأوحد.
ولو صحت التسريبات عن آخر مكالمة بين ترامب ونيتانياهو، فقد وبَّخه بغضب وحدة، وقال له: «الجميع يكرهك الآن، ويكره إسرائيل.. بسبب ما تفعله». وبغضِّ النظر عن هذه التسريبات، فقد سبق له أن صرَّح لصحيفة Daily Caller -ةفي أوائل سبتمبر 2025 – بأنه «في السابق، إذا كنت سياسياً، لم يكن بإمكانك قول أي شيء سيئ عن إسرائيل، لأن ذلك كان يعني نهاية حياتك السياسية، أما اليوم فالأمر أصبح العكس تماماً تقريباً».
ويعني ما سبق أن أحد سيناريوهات مستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية.. أن اللعب الإسرائيلي مع الكبير الأمريكي، لم يعد بالضرورة لعباً تعاونياً. والمشكلة أن هذا السيناريو، ليس مبنياً على تغير في مزاج القيادات، وإنما نتيجة لانكشاف حالة إسرائيل.. كمفارقة تاريخية؛ كونها نموذجاً نادراً للظاهرة الاستعمارية، تواجه مقاومة ممتدة من الشعب الخاضع للسيطرة، وتوظف فيها أقصى درجات العنف والتدمير. ورفضاً من معظم مكونات بيئتها الخارجية؛ سواء لوحشيتها في مواجهة الشعب الفلسطيني، أو لأنها تجاهر بخططها التوسعية.. التي تهدد السلامة الإقليمية لعديد من هذه المكونات.
والمشكلة الأكبر، أن إسرائيل – رغم الخلل الواضح لصالحها في ميزان القوة مع خصومها، ورغم استخدامها المفرط للقوة ضدهم.. قتلاً وتدميراً – مازالت عاجزة عن حسم الصراع عسكرياً لصالحها. ولذلك، فإن التغير في قواعد اللعب مع الكبار، هو بالتأكيد نذير شؤم لمستقبلها.
نقلاً عن «الأهرام»