نيفين مسعد
منذ أثار انتباهي نظام الطيبات الشهير.. بكل ما أحاط به من غرابة وضجة وانقسام وفبركة وفكاهة وقلق شديد من دلالات الظاهرة، ورحتُ أقرأ المنشور عنه وحوله لبضعة أيام، انتهز الفيسبوك الفرصة، وأخذ يواليني يومياً بعشرات الإعلانات.. عن مكوِّنات النظام الغذائي الصحي وطرق إنقاص الوزن. ولقد سبق لي تجربة نفس الأمر.. عندما كنت أبحثُ عن حذاء على فيسبوك، فتحوَّلت صفحتي إلى معرض للأحذية من كل صنف ولون. وكتبتُ هنا عن هذه الظاهرة – قبل خمس سنوات – مقالاً بعنوان «حصار الأحذية». أما الآن فلقد حدث ترفيع لمستوى اهتماماتي، وانتقَلتُ من الاهتمام براحة القدم.. إلى الاهتمام براحة القولون، وسايرني الفيسبوك.
***
عشرات من مقدمي البودكاست، أراهم لأول مرة في حياتي.. ينصحون المشاهدين بكل ما يخطر على البال؛ من أول مواعيد تناوُل الڤيتامينات والمقويات على مدار اليوم، وحتى الوجبات الغذائية من مدخل: كُل ولا تأكُل. ومن بين العديد من النصائح التي تستحق التعليق عليها، أتوقَّف عند نصيحة لفتت انتباهي، تدعو الباحثين عن الرشاقة.. إلى التفكير – قبل الأكل – فيما إذا كانوا يشعرون بالجوع فعلاً أم لا، وتطالبهم بأن يستعلموا عن عدد السُعرات الحرارية الموجودة في كوب الآيس كريم، أو ثمرة المانجو، أو قطعة الشيكولاتة.. ثم يقررون ماذا يفعلون.
وقبل أن أستطرد في شرح وجهة نظر صاحب البودكاست – أفتح قوسين.. لأقول إن مجرد ذِكر هذه المُغريات الثلاثة، كان كفيلاً بأن يُحدث تأثيراً عكسياً، لأنه جعل ريقي.. وأظن ريق الكثيرين أيضاً، يجري – فمَن الذي لا يُحب المانجو المصرية؟ ومَن الذي لا ينتظر تباشيرها؟ أعرف طفلةً في السابعة من عمرها.. كان المكان المفضَّل لتناوُلها ثمار المانجو، هو حوض الاستحمام.. حتى تتحرَّك بحرية، وتسبح كما تشاء.. في عالَم العويس والفص والفونس. وبدون مبالغة، أعتقد أنه لو تم إدخال المانجو ضمن المؤشرات التي تقيس مستوى السعادة، لكانت قادرة على رفع التصنيف الدولي لمصر.
***
منطق صاحب البودكاست، أن تشغيل العقل قبل الأكل.. يساعد في تبريد المشاعر والتقاط الأنفاس، وإعادة تقييم الموقف. وهذه النصيحة معروفة، وكثيراً ما يتم توجيهها للأشخاص الذين يتميَّزون بسرعة الانفعال.. بهدف تجنيبهم الوقوع في أخطاء كان من الممكن تفاديها، لو أنهم أخذوا وقتهم في التفكير. وطالما لا يوجد – من حيث المبدأ – ما يمنع من توسيع نطاق النصيحة، فإن السؤال يكون هو: ماذا لفت انتباهي إذن في نصيحة التفكير قبل الأكل؟
***
تعامَل صاحب البودكاست ببساطة مع وصفته السحرية.. على نحو يذكِّرنا بالطريقة المبتكرة التي وصف بها حضرة الأراجوز – في أوبريت «الليلة الكبيرة» – كيف يمكن لجناب العُمدة.. أن يذهب إلى مقام سيدنا المتولي.. امدح نبينا وصلّي عليه. معظمنا يحفظ الحوار اللطيف الذي دار بين الاثنين، وانتهى بجملة «ودي وصفة سهلة.. ودي وصفة هايلة».. مع أن العُمدة تاه في النهاية، وغادر المسرح تشيِّعه تريقة العفاريت الصغار «مع السلامة يا ابو عِمَّة مايلة».
وبالمثل، فإن الأمر لا يحتاج من الشخص طالب الرشاقة.. إلا أن يقوم بتشغيل مخّه لبضع ثوان، حتى يكتشف أنه مُقدم على الأكل.. من باب الزهق أو الضيق أو الفضول أو العادة السيئة.. إلخ. أو أي سبب آخر.. باسثناء الحاجة البيولوجية الحقيقية. ومتى وصل صاحبنا إلى هذه النقطة من التفكير، فإنه سينتقل بعدها مباشرةً لحساب عدد السُعرات الحرارية، ويكتشف أنه كان مقبلاً على اقتراف جريمة صغيرة، لولا أن ربنا ستر.
***
هذا النوع من النصائح الغذائية المتفائلة، يفترض توفُّر شرطين؛ الشرط الأول: هو عقلانية الشخص وقدرته على تحديد مصلحته. لكن العقلانية – مع الأسف – منهج قديم، تعرَّض لنقد شديد.. في السياسة كما في الحياة، وإلا لما كان كل هذا الجنون الذي يجتاح الكوكب. وفيما يخص موضوع المقال، فإننا نلاحظ أن متخّذ القرار غير العقلاني – عندما يلتهم ما لا يلزمه من الطعام – سيحاول عقلنة قراره، وتبريره بكل الطرق الممكنة. فهو قد يقول إنه بذل مجهوداً كبيراً.. على مدار اليوم، بما يجعله مطمئناً إلى أنه حرق السعرات الإضافية دون مشاكل. أو يقول إن ثمرةً لذيذةً واحدةً من المانجو.. لن تؤثّر كثيراً في الوزن، بل إنها قد تُحدث صدمة للجسد، وهي صدمات مطلوبة على أي حال. أو يقول – وهذا هو الأكثر شيوعاً – إنه سيبدأ في اتبّاع نظام غذائي صارم، اعتباراً من… والمدة الزمنية مفتوحة.
المهم في الأمر، هو أن يتم تسويق قرار الطعام.. بما يرفع العتَب ويريح الضمير.
أما الشرط الثاني: فهو الإفلات من تأثير المحيط، وهي بالتأكيد مسألة نسبية.. تختلف من موقف لآخر ومن شخص لآخر.
الآن تلوح أمامي أسرة من الطبقة المتوسطة، تقضي يومين من الإجازة الصيفية في الإسكندرية، أو ما يشبه أجواءها في إحدى قرى الساحل الطيب. يمر من أمام الأسرة بائع فريسكا، يحمل صندوقه الزجاجي الكبير بطلائه الأبيض المقشور، وتحاصرها فوضى الشماسي بالسمسمية والفولية وجوز الهند. لا يشعر أفرادها بالجوع، ولا يثقون في طريقة صنع الحلوى، ولا حتى لديهم معلومة واحدة عن مستوى النظافة أو تاريخ الصلاحية، لكن كيف يفلتون من تأثير البيئة المحيطة؟
بافتراض أن هناك سبباً يدفع الأسرة للمقاومة، فالأرجح أنه سيكون سعر الفريسكا.. الذي صار نوعاً من الضحك على الذقون، وليس أي سبب آخر.
***
أخذ طبق البسبوسة وضعه على مائدة السفرة، لم يمسسه أحد كالمعتاد.. في انتظار الزيارة الأسبوعية للحفيدتين الحبيبتين، واستقرَت قطعة مناسبة من القشدة اللبّاني في الثلاجة أيضاً.. كالمعتاد. في المرة الأولى مررتُ على المكان مروراً عابراً – بلغة القانون الدولي – ولم أتوقّف. وعندما مررتُ عليه في المرة الثانية، استعذتُ بالله من الشيطان الرچيم، وذكَّرت نفسي بعدد السعرات الحرارية والدهون ثلاثية الأبعاد، وهشاشة العظام المزمنة، وبأن الساعة قاربَت العاشرة مساءً، وكل المحاذير الكفيلة بالتفكير في نصيحة صاحب البودكاست، وبالتالي التأني قبل اتخاذ القرار.
أما في المرة الثالثة، فلقد غابت عني تفاصيل المشهد بالكامل، فلم أعد أرى الكتب المبعثرة، وآنية الزهور الضخمة، وزجاجة المياه المعدنية.. وقد انزوت جانباً لتفسح الطريق لطبق البسبوسة، ولا لاحظتُ المقاعد الكانيه.. وهي تحيط الطبق بحنان من كل صوب، وكأنه موكب رئاسي. هو وحده الذي خطف نظري، فقط هو. تقدمتُ في ثبات نحو الهدف وكشفتُ الغطاء عن الطبق، وبدأتُ التعامُل، ونسيت القشدة تماماً. من بعيد جاءني صوت الست يتغنى بمقطع من رائعة أحمد رامي «ومهما شفت جمال، وزار خيالي خيال.. إنت اللي شاغل البال، وأنت اللي قلبي وروحي معاك»، وكانت ليلة حلوة.
نقلاً عن «الشروق»