Times of Egypt

لقاء قوى اليسار العالمي في برشلونة

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) التعبئة التقدمية العالمية

في خضم الحربين الشرق أوسطية: الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ولبنان، والأوروبية: الروسية الأوكرانية، استضافت مدينة برشلونة يومي 17 و18 إبريل الماضي.. 3000 من القيادات اليسارية العالمية؛ حكومية وحزبية وفكرية.

انعقد المؤتمر تحت رعاية رئيس وزراء إسبانيا «بيدرو سانشيز» (54 عاماً، الأمين العام لحزب العمال الاشتراكي الإسباني)، وبدعم قوي من الرئيس البرازيلي التاريخي «لولا دا سيلفا»، ورئيس جنوب أفريقيا «سيريل رامافوزا»، ورئيسة المكسيك «كلوديا شينباوم»، ورموز يسارية أوروبية مثل: تيريزا ريبيرا، وإيراتكسي جارسا، والرئيسة الأيرلندية كاثرين كونولي وكريس ميرفي عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي الأمريكي، وتيم والز حاكم ولاية مينيسوتا. كل هؤلاء – وغيرهم – اجتمعوا تحت عنوان: «التعبئة التقدمية العالمية Global Progressive Mobilization»؛ حيث استهدف اللقاء مناقشة خمسة ملفات اعتبرها مصيرية: الملف الأول: مواجهة اليمين المتشدد، والملف الثاني: الدفاع عن الديمقراطية والمواطنة، والملف الثالث: الدفع نحو نظام عالمي أكثر عدلاً، والملف الرابع: تقديم حلول ناجعة لحل معضلة اللامساواة المتفاقمة في كل دول العالم، والملف الخامس: كيفية مواجهة التدهور البيئي والانهيار المناخي.

يأتي هذا اللقاء المهم.. كمحاولة جادة من قبَل قوى اليسار العالمي – بألوانها المختلفة – لطرح مشروع بديل.. يعمل على إنقاذ العالم من الاختلالات التي لحقت به على جميع المستويات. ومن ثم – حسبما اتفق المجتمعون – يفرض على القوى التقدمية إعادة تنظيم نفسها.. للدفاع عن المتضررين من السياسات النيوليبرالية على مدى ما يقرب من نصف قرن؛ تلك السياسات التي أدت إلى اتساع الفجوة بين الكثرة المواطنية وبين القلة الثروية.

(2) قلق ومسؤولية.. التزام وفعل.. تشخيص وعلاج.. يسار عالمي فاعل

في كلمته الافتتاحية، يبلور لنا «بيدرو سانشيز».. دور هذا التكتل اليساري العالمي، في مواجهة معاناة مواطني الكوكب اليوم، بأنه ينطلق – ليس من «القلق فقط» حول مصير الكوكب ومواطنيه – بل من المسؤولية لإنهاء تلك المعاناة. ويستهل كلمته بفكرة دالة، مفادها أن «… هناك فرق بين أن نطل من النافذة، وبين النزول إلى الناس، والاستجابة إلى همومهم». وأنه علينا – يقول بيدرو سانشيز – «ألّا نكتفي بالتشخيص، بل أن نضع رؤية نلتف حولها، ونعمل معاً على تنفيذها.. من أجل القضاء على اللامساواة، وإصلاح النظام العالمي، وتعزيز الديمقراطية، وإعمال الحوكمة والدمقرطة الرقمية».

ويختم سانشيز كلمته بعبارة دالة.. عن الدور المنوط بالقوى التقدمية العالمية، أن تضطلع به كما يلي «لقد جاء الوقت الذي ينتقل فيه اليسار.. من مجرد الالتزام الفكري، إلى الفعل العملي والميداني»، من أجل.. «استعادة الأمل لمجتمعاتنا ومواطنينا».

في هذا الإطار، انتقد سانشيز اليمين المتشدد بشدة، والأزمات العالمية التي تحدث من جراء الحروب وسادة اقتصاد الحروب، والسياسات النيوليبرالية.. التي أدت إلى لا مساواة غير مسبوقة تاريخياً. وفي هذا المقام، علق بعض المتابعين للفعالية اليسارية العالمية.. بأن فعالية برشلونة – التي جمعت قوى اليسار العالمي الحكومية والحزبية والمدنية والفكرية – عُنيت بما يلي؛ أولاً: تجديد دور اليسار حول العالم.. لا باعتباره تياراً تنظيرياً وفكرياً فقط، بل تيار فاعل في تجديد المجتمعات. وثانياً: تطوير رؤى اليسار النقدية حيال الرأسمالية؛ إذ لم تعد الرأسمالية الراهنة هي تلك الرأسمالية الصناعية، وإنما أصبحت هناك رأسمالية رقمية احتكارية.. لابد من فهم تداعياتها، ومن ثم مواجهتها. وثالثاً: مواجهة «الأوليجاركيات» الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية والرقمية، التي تعمل قسراً على احتكار رأس المال، والاستحواذ على الثروة، والهيمنة على التكنولوجيا، والتحكم في المصائر، والتضييق على الديمقراطية. ورابعاً: تعزيز التضامن بين الدول من خلال نظام دولي.. يقوم على التعاون والإنصاف. وخامسا: مواجهة الترامبية.. التي تجسد الكثير مما رصده المتحاورون من مساوئ.

في المقابل، علق البعض الآخر بأن لقاء برشلونة.. قد غلب عليه الخطاب السياسي، على حساب التحليل البنيوي العميق. لذا لم يصدر عنه نص ختامي أو «مانيفستو» فكري.. يبلور أفكار وتوجهات النقاش. بمعنى آخر، يمكن اعتبار منتدى برشلونة.. فعالية حوارية يجتمع فيها ممثلو اليسار السياسي والفكري والمدني، أكثر منها مشروعاً فكرياً، شبيه للمنتدى «الاقتصادي العالمي»؛ الذي يجمع ممثلي الرأسمالية.. للتباحث معاً في دافوس مطلع كل سنة. بيد أن لقاء اليسار العالمي.. سوف يتنقل بين المدن حول العالم؛ إذ سيحل ضيفاً في 2027 على المكسيك، بينما المنتدى الاقتصادي العالمي يتم في نفس المكان بدافوس.. منذ 1971.

(3) «المواطنيزم» واليسار ما بعد الجديد

بالرغم من تشبيه البعض لملتقى اليسار العالمي بمنتدى دافوس، إلا أنني أميل إلى تشبيهه بالتجمع السياسي المحافظ (معروف باسم CPAC) – الذي تأسس في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود، ونظم اجتماعه السنوي الأخير في بودابست بالمجر قبل أيام من عقد الملتقى اليساري – ويبدو لي أن هذين التجمعين: اليساري واليميني.. يعكسان الحركية المواطنية التي شهدها العالم مع بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، التي عبرنا عنها في كتاباتنا مبكراً (2018) «بالمواطنيزم Citizenism»؛ أو النزعة المواطنية القاعدية متعددة ألوان الطيف.. التي انطلقت تعبيراً عن غضبها ضد: نخب ومؤسسات/أحزاب وسياسات ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي أخفقت ــ في تصور الحركة المواطنية ــ عن الوفاء بوعودها على مدى أكثر من سبعين سنة. (راجع كتابينا: المواطنة والهوية ــ 2024، ومواطنة بلا أوصياء قيد الطبع).

في هذا السياق، يمكن اعتبار ملتقى اليسار ما بعد الجديد محاولة ــ لن نقول مؤسسية – «تشبيكية»؛ للتشبيك العابر للحدود بين المواطنين.. عبر الحكومات والأحزاب والحركات اليسارية.

وبعد، فنحن أمام حركية يسارية جديدة.. تجتهد في الانخراط المباشر، لتجاوز «زمن الغضب»، إلى «زمن الفعل التغييري».

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة