تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

كيف رحلت نفرتيتي عن مصر؟ (2)

M.Adam
زاهي حواس

 زاهي حواس

تحدثنا في المقال السابق.. عن رأس الملكة نفرتيتي، وكشفنا عن معلومات مهمة عن كيفية رحيل الملكة – بشكل مريب – إلى برلين، وأتمنى أن تحُث هذه المقالات المسؤولين.. إلى ضرورة توقيع الوثيقة التي تطالب بعودة رأس الملكة نفرتيتي إلى وطنها مصر.

فقبل الحرب العالمية الأولى بأعوام، كانت مصلحة الآثار المصرية تحت إدارة الفرنسي جاستون ماسبيرو – الذي كان أيضاً مديراً للمتحف المصري بالقاهرة – وعلى الرغم من أن العلاقة بين ماسبيرو ولودفيج بورخارت.. مكتشف الرأس، كانت تبدو جيدة في ظاهرها، لكنها لم تكن أبداً لتمنعه.. من توجيه انتقادات لسلوك بورخارت، في الحفائر التي كان يجريها بتل العمارنة.

وعلى الجانب الآخر، كان هناك الأثري جوستاف لوفيفر.. الذي كان يعمل بمصلحة الآثار، وكان مكلفاً بإجراء عمليات قسمة المكتشفات.. بين البعثة الألمانية وبين المتحف المصري؛ وفق القوانين المصرية في ذلك الوقت. ويذكر الباحث رولف كراوس.. أن لوفيفر كان في ذلك الوقت شاباً يبلغ من العمر نحو ثلاثين عاماً، وكان يعمل تحت إدارة ماسبيرو، ولم يكن في البداية عالم مصريات، وإنما كان عالماً في اللغات الكلاسيكية، ثم أصبح بعد فترة من أعلام اللغة المصرية القديمة.

ويشير كراوس إلى أن لوفيفر هو الذي قام بعملية تقسيم ما عُثر عليه في حفائر العمارنة في موسم 1912-1913. وبعد القسمة غادر بورخارت العمارنة يوم 28 يناير 1913. ولا تذكر يوميات الرحلة إشارات واضحة.. حول رأس نفرتيتي، ولكن توجد معلومات مهمة – في خطاب أرسله بورخارت إلى هاينريش شيفر في برلين يوم 5 فبراير 1913 – وقال فيه إنه أرسل إليه شيئاً سيعجبه، وإنه ينتظر أن يسمع منه فور وصوله.

وهنا يأتي السؤال: كيف تمكن بورخارت.. من شحن الرأس إلى برلين؟

يقول كراوس إن صناديق البعثة الألمانية.. تم شحنها من موقع الحفائر إلى المتحف المصري بالقاهرة، وهناك تم التعامل معها وفحصها قبل خروجها. وإذا صح ما ورد في هذه المعلومات، فربما يكون الرأس قد أُرسل إلى برلين في صورة طرد، ثم نجح بورخارت بعد ذلك.. في إخفاء وجود رأس نفرتيتي سراً لنحو عشر سنوات.

وفي عام 1924، شاهد المسؤولون المصريون الرأس في برلين، واعترضوا على وجوده هناك. وعندما جاء بيير لاكو – خليفة ماسبيرو في إدارة مصلحة الآثار – وعرف بأمر الرأس، طالب بعودته إلى مصر، ورأى أن بورخارت.. لا بد أن يكون قد أخفى أهمية القطعة وقت القسمة. وقامت مصلحة الآثار بعد ذلك باتخاذ موقف صارم ضد بورخارت، من ذلك منعه من الحصول على امتيازات جديدة للحفر في مصر.

ويقول كراوس.. إن نتيجة هذه الأزمة ظهرت في أكتوبر 1929؛ عندما نجح المسؤولون في التوصل إلى اتفاق مع الجانب الألماني.. يقضي بعودة رأس نفرتيتي إلى مصر، مقابل مجموعة من القطع الأثرية المصرية. وقد وصل الاتفاق إلى مرحلة متقدمة. ولكن لأن المتحف الذي كان يحتفظ بالرأس كان جزءاً من متاحف الدولة، تدخلت الحكومة في الأمر، وفي النهاية توقفت عملية التبادل بعد اعتراضات واسعة. هذا الموضوع مهم جداً، لأننا هنا ننقل شهادة ألمانية.. عن كيفية التعامل مع رأس نفرتيتي، وكيف استطاع بورخارت أن يخفي كثيراً من الوقائع المتعلقة به.

وهناك أيضاً قصة عائلة جوتربوك. فقد كان جوتربوك وعائلته في رحلة إلى سوريا ومصر، في نوفمبر 1912، أي في الفترة نفسها التي كانت تجرى فيها حفائر تل العمارنة، وكانت زيارتهم للعمارنة ذات أهمية خاصة. وكانت إيميلي – زوجة بورخارت – من بين الأشخاص المرتبطين بهذه الدائرة. ولم يظهر في مذكرات جوتربوك.. حديث واضح عن رأس نفرتيتي، رغم قربه من بورخارت، ورغم وجوده في مصر خلال هذه الفترة. ويذكر رولف كراوس أن جوتربوك لم يذكر أيضاً – في مذكراته – بعض التفاصيل المرتبطة بوجود بورخارت في منزل والديه.

وعندما نزل بورخارت من محطة قطار ملوي – وهي محطة القطار المستخدمة للوصول إلى منطقة العمارنة – قام بإرسال خطاب إلى لوفيفر.. يطلب منه سرعة الحضور يوم 18 يناير – قدر الإمكان – لإتمام الإجراءات. إلا أن لوفيفر تأخر، ولم يصل إلا يوم 20 يناير، ويبدو أن بورخارت كان يريد إنهاء عملية القسمة بسرعة. وقد ظهر جزء من هذه القصة أيضاً في الصحافة الألمانية، ومنها جريدة أسبوعية ألمانية تناولت أخبار الحفائر.. وما أثير من شائعات حول القطع التي عثرت عليها البعثة الألمانية.

وفي يوم 17 يناير وصلت عائلة جوتربوك إلى تل العمارنة. ولم تذكر السيدة جريت جوتربوك – في مذكراتها – شيئاً واضحاً عن رأس نفرتيتي ، لكن زوجها ترك خطاباً طويلاً يحتوي على وصف تفصيلي لما حدث أثناء عملية القسمة. وكان من بين الأسماء المرتبطة بهذه المراسلات.. العالم الألماني جونتر رودر – الذي كان على صلة بالدوائر العلمية الألمانية، وكان قادراً على الحصول على معلومات مهمة – وقد أجاب رودر فيما بعد.. على تساؤلات عالم الآثار المصري سليم حسن، أحد أوائل علماء المصريات المصريين؛ الذي عمل في المتحف المصري بالقاهرة، وأصبح بعد ذلك واحداً من أهم علماء الآثار في مصر.

وكانت تساؤلات سليم حسن تتعلق بما حدث أثناء القسمة، وما إذا كانت المعلومات المتعلقة برأس نفرتيتي.. قد ظهرت كاملة أمام ممثلي الجانب المصري، أم أن بعض التفاصيل لم تُذكر. وتوجد كذلك نسخة من خطاب لجوتربوك – محفوظة في أرشيف الجمعية الألمانية – واستطاع الباحثون بعد ذلك الوصول إلى هذه المراسلات. 

وتكمن أهمية هذه الوثائق، في أنها تقدم معلومات وشهادات – من الجانب الألماني نفسه – حول ما حدث منذ اكتشاف الرأس، وحتى وصوله إلى برلين. وهي معلومات ننشرها الآن، لأنها يمكن أن تساعدنا على إعادة فهم قصة خروج رأس نفرتيتي من مصر. وهذه أول مرة ننشر فيها هذه التفاصيل المرتبطة بالمراسلات والشهادات الألمانية.. حول الرأس. وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة