تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

«الفضفضة»: هل يمكن أن تنقذ الصحافة المصرية؟

M.Adam
محمد أبو الغار 

 محمد أبوالغار

 تناولت أقلام من مختلف الاتجاهات.. ما طرحه د. ضياء رشوان – وزير الدولة للإعلام – بما سماه «فضفضة»؛ لحل مشاكل الصحافة المصرية المزمنة، التي وصلت إلى وضع غاية في الصعوبة في الصحف الحكومية، بما يكلف الدولة مليارات من الجنيهات.. بدون عائد حقيقي. 

والجميع يعرف أن المساندة الهائلة للصحافة والإعلام المصري.. لم تأتِ بالمطلوب، فكأن هذه الأموال تُلقى في بلاعة، والمصريون – داخل وخارج مصر – يعرفون الأخبار من مصادر أخرى.

لم يعد هناك حسنين هيكل.. الذي يقول للناس التوجهات والأخبار كل يوم جمعة. ولا يوجد مصطفى أمين.. بفرقعاته وخبطاته الصحفية، ولا أحمد بهاء الدين.. يتطلع الناس له لمعرفة رأيه في قضاياهم ومشاكلهم، وتصوره للحلول. لا يوجد صلاح عيسى ليكتب تاريخنا الاجتماعي، ولا نكتة صلاح جاهين في الأهرام، ومصطفي حسين وأحمد رجب في الأخبار، والتي كانت شديدة التأثير، ولكنها غابت من الصحف القومية.

الأخبار الطازجة الآن.. لم يعد مصدرها الصحيفة الورقية. تغلبت الصحف العالمية الكبرى على هذه المشكلة، فمثلاً «النيويورك تايمز» يشترك في نسختها الإلكترونية 12 مليوناً، أنا واحد منهم، وفقط 570 ألفاً في النسخة الورقية، تتميز النسخة الرقمية.. بأن أي خبر أو حدث مهم.. يُنشر فوراً فيها، ويتم تحديث الصحيفة إلكترونياً ليل نهار. «النيويورك تايمز» تعلن عن أرقام التوزيع بدقة، ولكن صحفنا القومية التي كانت منذ سنوات تعلن أن أخبار اليوم في يوم السبت وأهرام الجمعة يوزعان مليون نسخة، توقفت عن ذكر الأعداد.. بسبب انخفاضها بدرجة مخيفة. الإعلانات في الصحف.. أصبحت حكومية أو من بنوك كبيرة جداً، أما كافة المنتجين والمصنعين.. فيعرفون جيداً أن أحداً لن يقرأ إعلانهم في الصحيفة. حتى الوفيات في الأهرام أصبحت محدودة جداً.

هناك مشكلتان تواجهان الصحف؛ المشكلة الأولى: هي مشكلة تقنية، لأن الصحف فشلت في بيع نسخها إلكترونياً، وغير قادرة فنياً وتقنياً على تطوير وتعديل الصحيفة للمشتركين.. بنشر الأخبار السريعة والتطورات المفاجئة. والمشكلة الثانية: تنطبق على كل من الرأي والخبر. فبعض الأخبار تنشرها الصحف فوراً بدون قلق، مثل حادث كبير أو زلزال في بلد ما، أو نتائج انتخابات دولة كبرى، وهناك أخبار تخص مصر، والدولة المصرية، والشعب المصري. الصحفيون المصريون – بحكم التجربة في سنوات سابقة – عرفوا أن نشر بعض هذه الأخبار.. قد يطيح بهم من مناصبهم؛ فالصحفي يتحسس طريقه، وينتظر الإجابة على سؤاله.. هل ينشر الخبر أم لا؟ خلال بضع ساعات يكون ملايين من المصريين.. قد قرأوا الخبر والتعليقات عليه، في وسائل التواصل. وإذا كان الخبر مهماً، يكون التليفزيون البريطاني وقناة الجزيرة قد أذاعاه، وتم التعليق عليه.

أي إصلاح صحفي.. ينتج عن الفضفضة، يجب أن يعطي للصحفي ضمانات.. مادام يذيع خبراً متأكداً من صحته، أن لا يحاسبه أحد على ذلك. 

هناك شخصيات مصرية مهمة.. لا تنشر أخبارها في الصحف، وإنما فقط في وسائل التواصل، لأن الصحفيين يخافون من نشر خبر مؤكد عنهم. هناك مشكلة أخرى.. وهي تعدد الجهات التي ممكن أن تعترض على النشر.

مقالات الرأي تشكل جزءاً هاماً من الصحيفة، وهناك كُتاب معينون.. كانت الصحف – في الماضي – يرتفع توزيعها بسبب مقالاتهم وأفكارهم. ومعظم الكتاب المتميزين يطالبون بالإصلاح. 

والسؤال يبقى، ما هو المسموح به؟ 

لا أحد يعرف؛ فما كان مسموحاً به أمس، قد يكون ممنوعاً اليوم.

الإذاعة والتليفزيون المصري.. لا أحد يستمع – أو يشاهد فيهما – البرامج الإخبارية، وإذا كانت هناك أخبار مهمة.. فالجميع يهرع إلى البريطانية، أو الجزيرة، أو وسائل الاتصال.

الإشكالية الكبرى أمام الصحف المصرية.. هي وسائل التواصل الاجتماعي. 

معروف أن نسبة استخدام وسائل التواصل.. لها علاقة بحرية الصحافة والإعلام؛ فحين تكون الحريات متوفرة إلى حد كبير، يعرف الناس الأخبار من التليفزيون، ومن الصحيفة الإلكترونية، وتُستخدم وسائل التواصل.. في أشياء اجتماعية، ليست إخبارية  أو سياسية. 

أما في المناطق التي يكون فيها تضييق على الحريات، فهنا تنتعش وسائل التواصل.. وتكون هي وسيلة نقل الأخبار. ومشكلة هذه الوسائل.. أن هناك نسبة من الأخبار الكاذبة، وكثيراً من التهويل، والإضافات.. في بعض الأخبار. 

والبعض يستغل الوسائل لأغراض خاصة، وقد يذاع خبر كاذب.. بسبب المنافسة المهنية أو التجارية، ولذا فالاعتماد عليها في منتهى الخطورة. ولكنه سوف يستمر – كمصدر رئيسي للمعلومات – طالما كانت الأخبار لا تذاع فوراً.. في المنصات الرسمية والتليفزيون، وعلى الصفحات الإلكترونية. 

الحل الوحيد لإعادة الأهمية للصحف والتليفزيونات.. هو الحرية. وفي هذه الحالة ستكون الوسيلة الرئيسية.. لنقل المعلومات والأفكار والآراء بين أفراد المجتمع، وسوف تؤدي الصحف دورها الآخر، وهو مراقبة أداء المؤسسات العامة، وكشف الفساد، وتعزيز الشفافية. 

أيام الرئيس عبد الناصر كان من الممكن إخفاء أخبار لمدة سنوات، الآن – مع الإنترنت – أصبح ذلك مستحيلاً. وهناك دليل واضح؛ حين أذاعت وسائل الإعلام الأخبار بدقة خلال حرب أكتوبر، تابعها الجميع، وتوقفوا عن متابعة القنوات الأجنبية.

حرية الصحافة.. حق أساسي من حقوق الإنسان، ولها نص واضح في الدستور المصري، ومن المهم أن تصل المعلومات الصحيحة إلى المجتمع. وبالطبع حرية الصحافة والإعلام.. ليست مطلقة، وإنما عليها مسؤولية الالتزام بالدقة والموضوعية، واحترام الخصوصية، وعدم نشر الأخبار الكاذبة، أو المحرضة على الكراهية والعنف.

حين تكون الصحافة حرة، ومهنية، تقوم بضبط إيقاع وسائل التواصل الاجتماعي، وتحجيم أية آراء خارجة، أو معلومات كاذبة. وسوف تنتقل الإعلانات مرة أخرى.. من وسائل التواصل إلى الصحف. 

وفي النهاية، إذا كانت الفضفضة.. سوف تؤدي إلى حرية حقيقية في الصحافة والإعلام، وطمأنة الصحفيين.. بعدم عقابهم على نشر أخبار؛ ما دامت ملتزمة بأخلاق وآداب المهنة، فسوف تبدأ الصحف ووسائل الإعلام المصرية في المنافسة الحقيقية.. مع الذين سبقونا، وكنا أساتذتهم ومعلميهم، ويمكن أن يتصدر الإعلام المصري الساحة العربية. 

النظام المصري.. سوف يستفيد جداً من ذلك، لأن الوسائل – التي تنشر كمية من الهزل والتخاريف -سوف تتوقف.. عندما يذاع الخبر رسمياً، وسوف يعود للصحافة بريقها واحترامها، وسوف يكسب الجميع – وأولهم النظام المصري – ثم الصحافة والصحفيون، وبالطبع كل الشعب المصري.

قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة