لم يكن تقديم الإعلامي شريف عامر أوراقه للقيد بجدول تحت التمرين في نقابة الصحفيين مجرد طلب عضوية مرَّ بهدوء في أروقة النقابة؛ فقد فتح الباب على جرح قديم لم يندمل في جسد المهنة، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز شخص المتقدم نفسه: من يملك حق الانتماء إلى نقابة الصحفيين، وعلى أي أساس، ومن يضمن ألا تتحول العضوية إلى امتياز يُمنح لبعض الممارسين بينما يظل آخرون عالقين لسنوات خلف أبواب التعيين؟
فبينما بدأ مجلس النقابة، برئاسة النقيب خالد البلشي، استقبال طلبات القيد الجديدة اعتبارًا من 15 أغسطس الجاري وحتى 31 أغسطس، وفق الشروط والإجراءات المعلنة، أثار تقدم شريف عامر، عن صحيفة «الشروق»، موجة من الانتقادات داخل الأوساط الصحفية، سرعان ما تجاوزت شخصه إلى المؤسسة التي قدمته، وإلى منظومة القيد نفسها.
واللافت أن كثيرًا من الغضب لم يكن وليدًا لهذه الواقعة وحدها، وإنما بدا كأنه تراكم سنوات من الإحساس بعدم الإنصاف لدى صحفيين أمضوا أعوامًا في العمل دون أن يحصلوا على التعيين الذي يفتح لهم طريق العضوية النقابية. فالتعيين بالنسبة إلى هؤلاء ليس مجرد ورقة إدارية، وإنما بوابة إلى مظلة قانونية ونقابية تحمي المهنة وأصحابها من مخاطر العمل خارج الإطار النقابي.
«الشروق».. السؤال الذي غاب وسط الضجيج
مع ظهور اسم شريف عامر ضمن المتقدمين، خرجت شهادات لصحفيين عملوا في «الشروق» لسنوات، معتبرين أن المفارقة تكمن في أن المؤسسة التي حالت تجربتهم فيها دون وصولهم إلى النقابة، تبدو اليوم قادرة على تقديم أوراق إعلامي آخر للقيد.
وكانت الصحفية دعاء جابر من أبرز من أثاروا هذه النقطة، إذ رأت أن الانتقادات الموجهة إلى شريف عامر شخصيًا تغفل السؤال الأهم: كيف جرى تقديم أوراقه من جانب «الشروق»؟
وتروي جابر، بحسب شهادتها، أنها عملت في الصحيفة ثماني سنوات، منذ صدور عددها الأول، قبل أن تجد نفسها محرومة من التعيين والعضوية النقابية، رغم امتلاكها أرشيفًا صحفيًا ممتدًا. وبعد لجوئها إلى القضاء، حصلت على حكم بإثبات علاقة العمل، وتعويض، معتبرة الحكم اعترافًا بحقها في كونها صحفية بالمؤسسة وليست مجرد متدربة.
لكن معركة النقابة، وفق روايتها، لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ استمرت دعوى القيد ثلاث سنوات، قبل أن تصطدم لاحقًا بواقع آخر يتعلق بعملها في موقع إلكتروني، في وقت لم تكن فيه المواقع الإلكترونية مقيدة بالنقابة بالطريقة ذاتها التي تخضع لها الصحف. وتقول إنها وجدت نفسها، رغم سنوات الممارسة والأرشيف، أمام خيارات صعبة: إما العودة إلى مؤسسة صحفية والبدء من جديد في رحلة التعيين، أو انتظار تطور القواعد المنظمة لقيد العاملين بالمواقع الإلكترونية.
ومن هنا جاء إحساسها بالمفارقة: مؤسسة تقول إنها لم تمنحها حقها، تستطيع في الوقت ذاته أن تقدم أوراق آخرين للقيد.
بين حق التقدم ومرارة الانتظار
الجدل لم يتوقف عند شهادات الصحفيين؛ إذ رأى آخرون أن المشكلة الأساسية ليست في شريف عامر شخصيًا، وإنما في طبيعة الخطوة التي أقدم عليها.
الصحفي عبدالرحمن قاوي تساءل عن الدافع وراء سعي إعلامي معروف للانضمام إلى النقابة، معتبرًا أن الأمر لا يتعلق بالحاجة إلى مكاسب مالية أو وجاهة اجتماعية، بل بكون العضوية النقابية تحمل رمزية خاصة لدى الصحفيين الذين يخوضون سنوات طويلة من العمل من أجل الوصول إليها.
وفي المقابل، ذهب الصحفي جورج أونسي إلى أن الغضب اتخذ في جانب منه الاتجاه الخطأ، معتبرًا أن التركيز على شريف عامر وحده صرف الأنظار عن الجهة التي قدمت أوراقه، وهي صحيفة «الشروق». ووصف المفارقة بأنها تعيد طرح قضية المؤسسات التي تمنح بعض العاملين فيها طريقًا إلى النقابة بينما يبقى آخرون خارجها لسنوات.
وبذلك تحولت الواقعة من سؤال حول «هل يستحق شريف عامر العضوية؟» إلى سؤال أوسع وأكثر إلحاحًا: هل تملك منظومة القيد معايير واحدة واضحة تنطبق على الجميع؟
شريف عامر: لم أخرق قانونًا
وسط تصاعد الجدل، رد شريف عامر على الانتقادات عبر حسابه على منصة «إكس»، مؤكدًا أنه لم يخرق قانونًا ولم يتجاوز إجراءً، وأنه سبق أن استفسر عن قواعد القيد قبل سنوات، ثم انتظر وبدأ في اتخاذ الخطوات القانونية المطلوبة والتزم بها.
وشدد على أن النقابة، بحسب ما لديه من معلومات، لم تتهاون أو تسمح بإجراء غير قانوني، معتبرًا أن مجرد عدم معرفة بعض الزملاء بالمعلومات المتعلقة بملفه لا يبرر ما وصفه بالتجاوز أو الانفعال.
كما دخل في سجال مع أحد المنتقدين، مشيرًا إلى صفته في ملف نقابة الإعلاميين، وموجهًا إليه انتقادات تتعلق بموقفه من العمل النقابي والإعلامي، قبل أن يختم بالتأكيد على تقديره لنقابة الصحفيين ومجلسها وللمجتمع الصحفي، معتبرًا أن الجدل لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات والانفعالات.
النقابة: تسلُّم الأوراق ليس قبولًا
وفي مواجهة الجدل، جاء التوضيح الرسمي من نقيب الصحفيين ليضع فارقًا حاسمًا بين تقديم الأوراق والقبول في النقابة.
وأكد النقيب أن استلام أوراق شريف عامر بعد مراجعتها شكليًا لا يعني الموافقة على قيده، وإنما يمثل الخطوة الأولى في سلسلة من الإجراءات التي يخضع لها جميع المتقدمين. وأوضح أن التقدم للقيد حق يكفله القانون، وأن استلام الأوراق المستوفاة شكليًا لا يمثل قرارًا نهائيًا بالقبول.
وبحسب شرح النقابة، تبدأ العملية بالتأكد من استيفاء الصحيفة المتقدمة لشروط العمل النقابي وتسوية التزاماتها، ثم مراجعة مستندات المتقدم، ومنها عقد العمل والراتب وبرنت التأمينات وصحيفة الحالة الجنائية والمؤهل الدراسي وغيرها من المستندات المطلوبة.
بعد ذلك ينتقل الملف إلى لجنة القيد، التي تحدد مدى انطباق شروط التدريب، ويخضع المتقدم للتدريب والاختبار التحريري، ثم تُعلن الأسماء أمام الجمعية العمومية لإتاحة حق الطعن، قبل الانتقال إلى مرحلة مراجعة الأرشيف الصحفي والمقابلة وعرض النتائج على مجلس النقابة وفق القواعد المنظمة.
وفيما يتعلق تحديدًا بشريف عامر، أكدت النقابة أن ملفه لم يتجاوز حتى الآن مرحلة استكمال الأوراق من جانب صحيفة «الشروق»، وأن النقابة لم تصل إلى مرحلة الاختبار أو مراجعة الأرشيف أو اتخاذ قرار نهائي بالقبول أو الرفض. كما شددت على أن موظفيها لم يكن بإمكانهم رفض استلام ملف متقدم يعمل في صحيفة مستوفية للشروط وكانت أوراقه مستوفاة شكليًا.
السن.. حلقة أخرى في منظومة القيد
من جانبه، أوضح هشام يونس، أمين صندوق النقابة وعضو لجنة القيد، أن الملفات لا تُفحص بناءً على الشائعات أو ما يتداول عبر مواقع التواصل، وإنما وفق المستندات الرسمية والإجراءات المعتمدة.
وأشار إلى أن لجنة القيد تبدأ عملها بعد غلق باب التقدم، وأن فحص الملفات وإجراء المقابلات يتمان من خلال اللجنة وفي إطار اجتماعاتها الرسمية، وليس عبر مراجعات فردية من أعضاء المجلس.
كما أوضح أن القواعد تتضمن ضوابط خاصة بالمتقدمين الذين تجاوزوا السن المحددة للقيد المباشر؛ إذ تُعرض الملفات لمن تجاوزوا 44 عامًا على مجلس النقابة، بينما تتطلب الحالات التي تتجاوز 52 عامًا موافقة المجلس بالإجماع، مؤكدًا أنه لا يمكن تحديد مدى انطباق هذه القواعد على شريف عامر قبل فحص ملفه الرسمي ومعرفة بياناته ومستنداته.
وأكد يونس في الوقت نفسه أن الجمعية العمومية شريك أساسي في الرقابة على القيد، وأن مشاركتها تمثل إحدى أدوات حماية ضوابط العضوية والتصدي لما وصفه بـ«التجارة بالعضوية».
من أزمة شخص إلى أزمة منظومة
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في القصة كلها.
فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بشريف عامر وحده، ولا بالصحفيين الذين يشعرون بأن سنوات عملهم ضاعت خلف باب التعيين، ولا حتى بمجلس النقابة الحالي. إنها تكشف منطقة رمادية أوسع في علاقة القانون بتغيرات المهنة نفسها.
فالصحافة لم تعد محصورة في صفحات الجرائد الورقية؛ توسعت المنصات، وتغيرت أشكال العمل، وتداخلت الصحافة مع الإعلام الرقمي، بينما لا تزال بعض القواعد المنظمة للعضوية والقيد تعاني فجوة بين النص والواقع.
ومن هنا تأتي المطالب بإصلاح تشريعي لا يُفصّل على مقاس حالة بعينها، ولا يعالج كل أزمة بقرار استثنائي، وإنما يضع قواعد واضحة وموحدة تحدد بدقة شروط القيد وحقوق الممارسين وواجباتهم، بما يقلل مساحات الجدل والتأويل.
ويمتد الأمر إلى قانون حرية تداول المعلومات، الذي تنص المادة 68 من الدستور على حق المواطنين في الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية، في وقت لا يزال فيه إصدار قانون منظم لهذا الحق محل انتظار، رغم تقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب بدعم وتوقيع 60 نائبًا، وفق ما ورد في المادة.
الخروج من «إدارة الأزمة»
أزمة شريف عامر، إذن، قد تنتهي بقبول الملف أو رفضه بعد استكمال مراحله القانونية، لكن الأسئلة التي أطلقتها لن تنتهي بالضرورة مع صدور القرار.
فخلف الاسم الشهير، تقف أجيال من الصحفيين الذين ينتظرون حقًا طال انتظاره، وخلف الغضب من مجلس النقابة يقف سؤال عن مسؤولية المؤسسات الصحفية، وخلف الجدل كله تقف منظومة تشريعية تحتاج إلى أن تلحق بمهنة تغيرت أدواتها وأشكالها أسرع مما تغيرت قوانينها.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط في كيفية التعامل مع ملف شريف عامر، وإنما في قدرة المنظومة الصحفية المصرية على تحويل هذه الضجة من معركة حول شخص إلى فرصة لإصلاح القواعد.
فالنقابة التي تظل عضويتها حلمًا يراود العاملين في المهنة، تستحق أن تكون أبوابها واضحة للجميع؛ لا يفتحها الاسم، ولا يغلقها النفوذ، ولا يطيل الانتظار أمامها إلا قانون واضح يعرف الجميع شروطه.
وربما هنا تحديدًا تكمن المفارقة التي وصفها أحد الصحفيين بأنها «عسل أسود»: نقابة تزداد قيمتها كلما ازداد الساعون إلى عضويتها، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تجعل الطريق إليها أكثر عدلًا ووضوحًا، حتى لا يتحول حلم العضوية إلى مرآة تعكس أزمات المهنة بدلًا من أن تكون مظلتها.